مجدي حسين يروي عن صدامه مع (أبو غزالة).. وعلاقته بالثورة الليبية..الحلقة 15 أمريكا هي الشرك الأكبر المعاصر
دراسة غير منشورة لمجدي حسين ..كتبت في مايو 2014 - الحلقة 15
منذ 204 يوم
عدد القراءات: 30304
{رئيس المخابرات الأمريكية توقع أن يلقى السادات مصير شاه إيران .
مصر أرسلت طيارين وخبراء في التعذيب لأسوأ حاكم في أفريقيا – وأرسلت سلاحًا لتمرد جنوب السودان}.
شيء مذهل حقًا.. عندما عرض السادات على كيسنجر (اليهودي وزير خارجية أمريكا) تحالفا استراتيجيا لمحاربة الشيوعية والاتحاد السوفيتي.. كانت القوات الإسرائيلية على بعد 85 كيلو متر من القاهرة وليس الكيلو 101 كما هو مشتهر، وأنا شخصيا شاهد على ذلك؛ لأنني كنت جنديا في الفرقة الثالثة مشاه ميكانيكي، وكانت تتصدى للثغرة الإسرائيلية في وادي أبو جاموس وهو على بعد 15 كيلو متر من الجفرة، والجفرة على بعد 70 كيلو متر من القاهرة!! كان السادات يعرض التحالف الاستراتيجي مع أمريكا وإسرائيل تخترق مصر إلى هذا الحد بالسلاح والمقاتلين والمعلومات الأمريكية، وكنا نتصدى لذلك بالسلاح السوفيتي، وكان الجسر الجوي العسكري السوفيتي يعمل على مدار الساعة لتعويض خسائرنا في الحرب، وعمومًا فقد ذكرت في دراسات سابقة أن الخطر الرئيسي على مصر والعروبة والإسلام من الحلف الصهيوني – الأمريكي وليس من الاتحاد السوفيتي السابق أو روسيا الحالية، بل يمكن إقامة علاقة مع روسيا في مواجهة الحلف الأمريكي، مع ضرورة الاعتماد أساسًا على النفس، المهم لم تكن هناك رائحة للمبدئية في موقف السادات تجاه قضيتنا الوطنية، ولا تجاه ما يمكن أن يسمى "حرب مقدسة ضد الشيوعية " لأن العبرة بالحرابة، من يحاربني هو العدو الأصلي حتى وإن كان من أهل الكتاب .
وحتى قبل الوصول إلى معاهدة السلام مع إسرائيل تقمص السادات روح وشخصية الجنرال والشرطي المحلي لأمريكا، وعندما قدمت له أمريكا (ضمن سياسة القطارة: نقطة نقطة) 14 طائرة نقل عسكرية من طراز 130، لم يعجبه ذلك وطلب من الولايات المتحدة إمداده بـ 40 طائرة مقاتلة من طراز "إف – 5 – إي" لتساعده في بناء "فيلق أفريقيا"؛ للقيام بدوريات لحماية الجانب الشمالي الشرقي من القارة!! واعتبرت الإدارة الأمريكية فكرة "فيلق أفريقيا" ضربًا من ضروب الخيال ونحته جانبًا إلا أنها وافقت على صفقة الطائرات (وثيقة لوزارة الخارجية الأمريكية) . وحتى مدير المخابرات الأمريكية فقد كان يخشى على السادات من مصير الشاه إذا اندفع في هذا الطريق فكتب في وثيقة رسمية: (سيكون من الصعب إثناء السادات عن طموحه ليكون شرطي الشرق الأوسط لكن هناك مخاطر حقيقية تكتنف تشجيعنا لهذا الدور. فهناك خطر في احتمال أن يتجاهل السادات مشاكله الداخلية أو أن يتجاهل استياء المؤسسة العسكرية من مثل هذه السيادة. ويحتمل أن تخلق هذه السياسة نفس النوع من المشاكل التي رأيناها للتو في إيران) ( ستانفيلد تيرنر) .
ولكن السادات اندفع بجنون لإثبات قدرته في مكافحة الشيوعية، وكان يجتمع مع السفير الأمريكي فور عودة العلاقات في 28 فبراير 1974 بصورة شبه يومية!! وفقا لمذكرات السفير الأمريكي من 1974 حتى 1979 هيرمان ايلتس .
وفي تلك الفترة (1976) منع السفن السوفيتية من دخول الموانئ المصرية (بدون داع وبدون مبرر من أي عمل صنعه السوفيت) على الرغم من أن الاتحاد السوفيتي ظل حتى ذلك الوقت الشريك التجاري الأكبر لمصر!! وأمد السادات رجل زائير القوي موبوتو سيسي سيكو وحليف الولايات المتحدة وواحد من أسوأ حكام أفريقيا والعالم بطيارين مصريين؛ لمساندته في معركته ضد المعارضة (التي افترض أنها شيوعية). وكشف لي أحد كبار الدبلوماسيين المصريين أن مصر قدمت أيضًا لموبوتو ضباطا من أمن الدولة كخبراء في التعذيب، ولم تتوان مصر السادات ومبارك عن تصدير هذه الخبرات "الثمينة" في التعذيب لمختلف الأنظمة العميلة لأمريكا مثل تونس مثلاً؛ حيث كانت عمليات التعذيب تأخذ أسماء لفنانين .مصريين (عملية شادية – عملية عبد الحليم حافظ) مع أن الفنانين المصريين أبرياء من الحكاية ولكنها كانت من وسائل مسخرة ضباط أمن الدولة
ورغم موقف الخارجية والمخابرات الأمريكية، إلا أن كارتر كان يستجيب لأحلام السادات في أن يكون قائد فيلق أفريقيا(!) حتى يورطه في التوقيع على كامب ديفيد، فخلال المفاوضات قال كارتر لمحمد إبراهيم كامل وزير الخارجية المصري كلامًا خطيرًا: (إن الاتحاد السوفيتي يمرح ويرتع في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط لأنه يعلم أن لمصر خمس فرق بأكملها مرابطة على ضفة قناة السويس لا يمكن تحريكها، فإذا ما توصلنا إلى اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل، فليس ثمة حاجة إلى بقاء هذه الفرق الخمسة مجمدة على القناة وسوف يصبح الرئيس السادات حرًا ويستطيع إعادة توزيعها على النحو الذي يراه ويختاره مما سيضطر الاتحاد السوفيتي إلى أن يعيد مراجعة حساباته ويتوخى الحذر في مغامراته وتصرفاته). ورفض الوزير الوطني هذا الكلام وقال: (إذا سمحت لي يا سيادة الرئيس، فإننا مجتمعون هنا لحل النزاع العربي – الإسرائيلي وليس التصدي لمخططات الاتحاد السوفيتي) (مذكرات محمد إبراهيم كامل – السلام الضائع في كامب ديفيد) ومعروف أنه استقال بعد توقيع السادات على اتفاقية كامب ديفيد .
وعندما جاء مبارك كانت علاقة التبعية قد استقرت وفقا للسقف الأمريكي، ولم يكن لدى مبارك طموحات تأسيس فيلق أفريقيا! وكما سمح الأمريكان للسادات بل تم تشجيعه على ضرب ليبيا 1977، ظلت ليبيا من المهام الموكولة للعميل المصري، أي تحديد دائرة ضيقة له ومنها ليبيا من دول الجوار ولها علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي، وبعد تولي مبارك للحكم بفترة وجيزة نشرت الولايات المتحدة اثنين من محطات الرادار الجوي (أواكس) بدعوى تفادي هجوم مفاجئ من القوات الليبية على مصر. وبدأت مناورات النجم الساطع بين الجيشين المصري والأمريكي في إشارة تهديد مبطنة للقذافي، وواصل مبارك سياسة السادات في دعم الحملة السرية الأمريكية ضد السوفيت في أفغانستان، ومن ذلك شراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والسعودية أسلحة سوفيتية قديمة بـ 50 مليون دولار سنويًّا لتهريبها إلى المقاتلين الأفغان عبر باكستان .
غل يد مصر عن السودان وليبيا
ورغم أن ليبيا كانت موكولة لمصر لتأديب القذافي وإدخاله بيت الطاعة الأمريكي وهذا ما كان يمارسه مبارك على القذافي في كل لقاءاته معه عندما عادت العلاقات بين البلدين، وظلت هذه من مهام مصر مبارك حتى إنهاء أزمة لوكيربي والاتفاق حولها وعندئذ استغنى الطرفان (ليبيا وأمريكا) عن مصر وأصبحت بينهما علاقات مباشرة شرحها بالتفصيل جورج تينت مدير المخابرات الأمريكية في مذكراته. ولكن أمريكا لم تترك السودان لمصر رغم أن الطرفين (أمريكا ومصر) ضد حكم الإنقاذ للبشير. وتعاملت أمريكا مع مصر في موضوع السودان كما تعاملت بريطانيا مع مصر، أي إبعاد مصر والاستحواذ على السودان. إذن مصر (مع الأسف أقولها والحزن يعتصرني) خدام تحت الطلب يعمل بالقطعة في مهام مختلفة ولا يوكل بصورة دائمة بأي ملف حتى بالنسبة لدول الجوار، عدا غزة بعد تولي حماس السلطة فيها، وذلك بحكم الاستحواذ الجغرافي لمصر على غزة. وأيضًا مسألة استخدام مصر كممر بحري وجوي للعبور العسكري الأمريكي. وهذا ما يريده الأمريكان من مصر (أمن إسرائيل.. وأمن البترول بمعنى توفير خطوط الدفاع العسكري عنه).
بالنسبة لليبيا بعد الاتفاق على تصفية موضوع طائرة لوكيربي وكان ذلك عن طريق السعودية (لا مصر !!) انتهت العلاقة المتميزة الناشئة بين مبارك والقذافي، وكان لسان حال القذافي: إذا كنت تريد إدخالنا بيت الطاعة الأمريكي فنحن نعلم عنوانه ويمكن أن نذهب بمفردنا مباشرة. ووصل الأمر إلى إلغاء القذافي دخول المصريين بدون تأشيرة وبدون جواز سفر بعد التوصل لذلك، وكانت العلاقات متوترة، وقامت الثورة في البلدين في ذات الوقت تقريبًا، فلم يكن لمصر أدنى تأثير فيما يجري في ليبيا ولا يزال الأمر حتى الآن وهذه كارثة بمعنى (الأمن القومي المصري) الذي كما ذكرنا تحول إلى كلمة بذيئة (أن تبيع نفسك لأمريكا وإسرائيل هذا هو الأمن القومي المصري).
أما بالنسبة للسودان فقد ظلت علاقات مصر متوترة مع نظام البشير، حتى اتجه هو بنفسه إلى أمريكا والغرب ودخل في مفاوضات فاشلة مع تمرد الجنوب أدى إلى تمزيق السودان، بانفصال الجنوب ثم الآن تهدد الأوضاع في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وآبيه وغيرها بالمزيد من التمزق والتشقق .
ولستُ هنا في معرض مناقشة مشكلة السودان بالتفصيل، ولكننا نؤمن أن مصر والسودان بلد واحد، وأن حل مشكلات الطرفين يكون بالتآلف والتحالف والتعاون ثم الاتحاد الطوعي، وأن السودان أهم لنا من أمريكا من الناحية الاقتصادية، وسنأتي لذلك في الجانب الاقتصادي من الدراسة إن شاء الله. نحن نتحدث الآن عن العلاقات الاستراتيجية العسكرية مع الولايات المتحدة وكيف أنها تمنع على مصر أن تمارس علاقاتها الطبيعية مع الأشقاء والجيران. وترى أمريكا أن السودان أثمن من أن تترك لمصر رغم العلاقات الأزلية بين البلدين لأن للسودان دورًا مهمًا في أفريقيا، وبالتالي لابد من السيطرة عليه أو تمزيقه إربا حتى لا يتحدث أحد فيه عن المشروع الحضاري الإسلامي. في التسعينات حدثت موجة من التوتر بين مصر والسودان على خلفية حلايب وشلاتين وعلى خلفية حادث أديس أبابا وعلى خلفية الطابع الإسلامي للإنقاذ. وبدأ الحديث عن حشود عسكرية مصرية على حدود السودان وبدأ دق طبول الحرب، وقد شننا حملة شديدة ضد هذا التوجه في صحيفة الشعب. في تلك الأثناء اتصل بي الملحق الصحفي بالسفارة الأمريكية طالبًا اللقاء في فندق الانتركونتيننتال (كنت أوافق على مثل هذه اللقاءات حتى عام 2003 عام غزو العراق وسأشرح ذلك في الفصل الأخير إن شاء الله) كان أغلب الحديث عن الأحوال في مصر ولا أتذكرها الآن وكنت قلقا من موقف أمريكا من السودان وكنت أريد أن استكشف هل هناك توجه أمريكي لإشعال الحرب مع السودان؟ ولكنه لم يفتح الموضوع وأثناء خروجنا من الفندق رأيت أن أفتح الموضوع وسألته: هل تتوقع نشوب حرب بين مصر والسودان؟ فقال لي: (ليش .. من شان شو ..) وكان يتحدث بلهجة شامية، وعدت من جديد أستوثق فقلت له: أنت تعلم أن هناك توترا بسبب حلايب وشلاتين واتهامات بضلوع السودان في حادث أديس أبابا، فأكد لي: مرة أخرى (أن هذه الموضوعات لا تستدعي الحرب ولا أظن أنها أمر محتمل). استرحت قليلاً وقتها لأن هذا كان أخشى ما نخشاه. ولكن من ناحية ثبت أن التصعيد المصري من جانب واحد أي بدون التنسيق مع أمريكا، وثبت أن أمريكا كانت ضد التدخل العسكري المصري في السودان وأن رأيها هو الذي نفذ!! ليس حبًا في العروبة أو من أجل حقن الدماء أو حرصًا على الأشقاء.. ولكن حتى لا يتمدد نفوذ مصر للسودان المجاور! وإن كنا مع دور فعال لمصر في السودان ولكن ليس بأسلوب الغزو، وليس بهدف إسقاط النظام هناك إسلامي كان أو غير إسلامي .
مصر تدعم التمرد الانفصالي عسكريًّا
وبدون التقيد بالتسلسل الزمني، لأنني لا أكتب تأريخيًّا، وإنما أعرض الموضوع، فلقد تسرب إلينا بالتدريج أن الحكومة المصرية تمد تمرد جون جارنج الانفصالي في جنوب السودان بالسلاح (كانت المعلومات عندي أنها مدفع هاون وأشياء أخرى)!! كنت أضرب أخماسا في أسداس بين مصدق ومكذب، فكل المتصلين بالمخابرات والأمن القومي في عالم السياسة والصحافة يرددون نفس الكلام الذي نقوله عن تمرد الجنوب، وأنه خطر على الأمن القومي العربي والمصري وليس السودان فحسب، بينما يتم إمداد التمرد بالسلاح بمعرفة مبارك وأبو غزالة وزير الدفاع.. لماذا لا يسأل العاملون في المخابرات أو العاملون تحت لوائها أنفسهم وضمائرهم، هل توجد جريمة وازدواج وكذب أكثر من ذلك، وهل توجد خيانة لمصر أكثر من ذلك؟ إذا لم تكن هذه هي الخيانة العظمى فماذا تكون إذن؟! خاصة والموضوع يتعلق بمسألة نهر النيل، ومشروع قناة جونجلي الذي يوفر 4 مليارات متر مكعب لمصر والسودان، بينما تقف حركة التمرد ضد هذا المشروع الذي يقع في أراضي الجنوب السوداني، بل لقد كتبت عن مفاجأة مذهلة في ذلك الوقت أن الدكتوراه الحاصل عليها جون جارنج هي حول مضار هذا المشروع !! (مشروع قناة جونجلي) .
عندما كنتُ عضوا بمجلس الشعب (1987 – 1990)، حضر المشير أبو غزالة مرة واحدة للمجلس وكان يتحدث في لجنة الأمن القومي وحضرت الاجتماع، وهذه هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها أبو غزالة، وأشهد أن حديثه أعجبني من حيث الذكاء وإبداء الوطنية عندما ذكر أنه يفكر أن يدخل في المدارس تدريبات المظلات، ثم عاد وقال: هذا كلام سري لن تسربوه للصحف حتى لا يحدث مشكلات (كان الصحفيون ممنوعين من الحضور). ولا أتذكر إن كان قد هاجم السودان أم لا؟ ولكن الهجوم على السودان كان يملأ وسائل الإعلام، وطلبت الكلمة وكنت الوحيد الذي وجه انتقادات لسياستنا الخارجية والدفاعية (كان وزير الخارجية عصمت عبد المجيد موجودا)، وركزتُ على السودان، واعترضتُ على إقامة علاقات مع التمرد، وقلتُ إن توثيق العلاقات مع الخرطوم مسألة أمن قومي عليا لمصر حفاظا على وحدة البلاد، وسخرت من إعلان الحكومة المصرية اعتزامها زراعة القمح في زائير!! وقلتُ هذه مكايدة للسودان، وهزل في موطن الجد، ونحن لا يمكن أن نزرع القمح في زائير، وهذا عبث. ورد علي أبو غزالة بتوتر وقال: من حقنا أن نقيم علاقات مع من نشاء (يقصد زائير !! وأنا لست ضد علاقة مع زائير عموما) ويمكن الرجوع إلى تفاصيل هذا الصدام في كتابي (مصر والسودان)، وتأكدت من هذا الحديث وجود علاقة عسكرية مع جنوب السودان. وفي إحدى زياراتي للخرطوم بعد ذلك وفي لقاء مع الرئيس السوداني بشير أعرب عن حزنه لوقوع أسلحة مصرية في أيدي الجيش السوداني وجدوها مع المتمردين (وكان اللقاء مع مجموعة من السياسيين المعارضين المصريين ولم أكن وحدي). (ملاحظة للشعب: كشف الزميل صابر شوكت أخيرا في أخبار اليوم أن شركة مبارك وأبو غزالة وحسين سالم ومنير ثابت وهي شركة الأمل للنقل البحري التي كانت مختصة بنقل الأسلحة الأمريكية لمصر، كانت تقوم بنقل شاحنات سلاح لجون جارانج وغيره من المتمردين في أفريقيا الذين تؤيدهم وتشجعهم أمريكا وهذا يعني أن جارانج كان يتلقى أسلحة مصرية وأسلحة أمريكية عن طريق مصر) "الشعب "
وعندما كان جون جارانج على وشك أن يقيم دولته باستفتاء معروف نتيجته، جاء لزيارة القاهرة، وكان له لقاء مع المثقفين والسياسيين في الأهرام وكنتُ مدعوا، ولكن عندما ذهبتُ لحضور اللقاء منعني الأمن من الدخول، ولا أدري ماذا كنتُ سأفعل معه؟! ولكنني لم أفجر مشكلة لأنني لم أكن متحمسًا للقاء بلا جدوى. وعلمت من مصادر موثوقة أن جارانج كان يقول لمن يقابله: إنه كان واثقا من النصر وإنه سيقيم دولة منفصلة في الجنوب. وعندما يسأل عن سبب هذه الثقة فكان يجيب: إنني أتلقى المساعدات بما في ذلك المساعدات العسكرية من أقرب الناس للسودان: مصر وليبيا!! (طبعا عندما يضم ذلك لدعم أمريكا وإسرائيل والغرب وكنائس الغرب وأثيوبيا وأوغندا وكينيا!!). وهذه أيضا من أعاجيب هذا المنافق (القذافي) أمين القومية العربية، فهو يمول حركة معادية صراحة للعروبة بل تجاهر بأنها تنفصل عن الشمال؛ لأنه عربي .. ومسلم!! (لقي جارانج مصرعه في حادث غامض لسقوط طائرته في أوغندا) إذا لم تكن المشانق خلقت من أجل مثل هذه الجرائم، فلماذا تم اختراعها؟! أقول ذلك عن مبارك ومنير ثابت وحسين سالم وهم أحياء هذه الجريمة، ولكن الأولان في حمى المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية والثالث يستعد للعودة من أسبانيا بطلا مغوارًا، على كثرة جرائمه في مجال ما يسمى (الأمن القومي) الذي تحول كما قلت لكلمة بذيئة لا معنى لها .
وأنا أسأل العاملين في حقل الأمن القومي والمخابرات وأستحلفهم بالله، ألا تذكرون ماذا كنتم تقولون عن تفريط شمال السودان في الجنوب، واعتراضكم على مبدأ مفاوضات تنتهي بتقرير المصير واعتبرتموه طريق الانفصال الضار بالسودان ومصر والعرب. بل أذكركم أن هذا تحول إلى موقف رسمي لمصر فرفضت المشاركة في هذه الجريمة: جريمة التفاوض فانسحبت منها وتركت بلادًا أفريقية وأوروبية وأمريكا تشارك في الطبخة المسمومة: بينما قيادة المؤسسة العسكرية المصرية تدعم التمرد عسكريًّا !!
وفعل نظام الإنقاذ السوداني – كما فعل القذافي – وساروا على أقدامهم إلى الشيطان، إنهم يعرفون عنوانه.. بل هو باعتباره من الجن موجودا في أماكن كثيرة ولكن عناوينها معروفة أيضًا، هو بنفسه سيفتح لك الأبواب والنوافذ يكفيك أن تنوي!! طبعا لم يتهاو النظام السوداني، كما تهاوى القذافي سريعا في التبعية، النظام السوداني صار في طريق ملتوٍ ولا يزال يسير من سيئ إلى أسوأ وإن كنت لا أزال أرى أنه يحتفظ بقدر لا بأس به من الاستقلال، ولكن على مساحة أقل فأقل من أرض السودان، ولم يعد عنده أي فرامل تحول للاندفاع باستمرار نحو مزيد من التبعية. ولكنني أتناول الموضوع الآن من زاوية مصر. فعندما رأى نظام السودان أن مصر تخلت عنه، فهي تمد خطوطها مع التمرد، وتضغط على الشمال ليقلع عن حكاية "الإسلام"!! سار على أقدامه وهو في كامل قواه العقلية إلى أمريكا ليتفاوض معها، بل اعتبر أن موافقة أمريكا على مبدأ التفاوض، مكسب للسودان !!
في إحدى زياراتي لبيروت لحضور أحد المؤتمرات التقيت مع إبراهيم عمر الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، وطلبت أن نجلس في غرفته بالفندق لأنني أريد الحديث طويلاً عن أحوال السودان وقد انقطعت عنها وبالفعل جلسنا جلسة مطولة مفيدة، وكان في حديثه يقول: قلنا لكونفورث، وقال كونفورث، فلم أعر الموضوع اهتماما في البداية، ولكنني وجدته يكرر اسم (كونفورث) كثيرًا ولم أعد أفهم ما الموضوع فقلتُ له من (كونفورث) هذا، فقال لي: هذا المبعوث الأمريكي للسودان، وفهمتُ أنه شبه مقيم في السودان أو يسافر ويعود على فترات متوالية. وكانت هذه بداية التفاوض الأمريكي التي أوصلت للتفاوض مع التمرد. وقد لاحظتُ في كلام د. إبراهيم ليونة، فقلتُ له: أخشى من السير في هذا الطريق، فقال لي: (نحن الآن نستخرج البترول وبنينا خط أنابيب طويلا، أطول خط في أفريقيا من أجل تصديره عبر بورسودان، وقد تلقينا تهديداتٍ بضرب هذه الأنابيب، وهذا سيوقف عملية التنمية). وأخذت دور المستمع حتى نهاية الجلسة، ولكن قلت بعد ذلك لمن معي من حزب العمل/ الاستقلال هذه علامة لا تبشر بالخير، فإذا أنت فكرت بهذه الطريقة فلن يكون أمامك سوى رفع الراية البيضاء، وهذا ما حدث في مصر أيام المتهمين الأمريكان بتمويل جماعات مصرية؛ حيث تم الإفراج عنهم بصورة مهينة للقضاء وقيل إن مبرر ذلك أن أمريكا هددت باحتلال القناة!! وهكذا يمكن لأمريكا أن تحصل على ما تريد بمجرد التهديد بالكلام وسنناقش هذا عندما نصل لمرحلة المجلس العسكري، ولكن ما يهمنا الآن أنه بتخلينا – بوزن وأهمية مصر الجارة – عن السودان، دفعناها – كما دفعنا القذافي – إلى أحضان أمريكا. ثم نعود نتباكى على الأمن القومي المصري الذي ذبحناه بأيدينا. وفي فترة التوتر الرسمي بين مصر والسودان في التسعينيات من القرن الماضي زارني مصطفى بكري في بيتي وهذه من المرات النادرة وربما الوحيدة، ولا أذكر سبب هذا اللقاء، ولكن أذكر أننا عرجنا على موضوع السودان، فقال لي إن السودان تحت السيطرة ولا يمكن أن يفلت من يد مصر، ويوجد في كل كيلو متر مربع سوداني عنصر مخابرات مصري!! وبغض النظر عن هذه المبالغة فقد برهنت الأيام بعد عقدين من الزمان إلى أي حد أصبحت المخابرات المصرية ضعيفة التأثير في السودان وليبيا ومختلف دول أفريقيا. وأن طموحات السادات في تشكيل فيلق أفريقيا تقلصت إلى تشكيل فيلق لضرب المظاهرات المصرية، ومحاصرة بنات الأزهر، ومحاصرة غزة المحاصرة أصلاً! إن ليبيا – السودان – فلسطين هم المثلث الأول لأمن مصر وتنميتها الاقتصادية، ونحن تركنا أضلاع المثلث كلها نهبا للأعداء وأصبحنا نحن محاصرين داخل مصر. حدث نوع من التعايش السلمي بين مصر والسودان (بعد خراب مالطا وانفصال الجنوب) واستمر حتى الآن ولكن في إطار علاقات واهية واهنة أبعد ما تكون عن العمق الاستراتيجي المطلوب، فواصلت أمريكا قضم أطراف السودان عن طريق التمردات المختلفة المدعومة من دولة الجنوب الجديدة العميلة لإسرائيل وانتشرت التمردات المسلحة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وآبيه، السودان يغوص في مستنقع التمزيق والتدخلات الأجنبية تحت راية الأمم المتحدة، ومصر تبحث كارثة المياه مع أثيوبيا، بدون تنسيق مع السودان، وتحل مشكلة أمنها الغذائي باستيراد اللحوم والدواجن من أقاصي الأرض (أمريكا – البرازيل مثلاً) بدلاً من التعاون مع السودان، وهذه مجرد أمثلة. المهم كل طرف أصبح يتعامل مع أمريكا منفردا فأضعفت أمريكا البلدين، وأغرقت مصر في الفوضى، وغاص المصريون في مستنقع لا يسمح لهم بمجرد رؤية السودان وليبيا بالعين المجردة !!
الثورة الليبية وحماقة المجلس العسكري
كان المجلس العسكري يسير بالضبط وبالكربون على خطى مبارك في السياسة الخارجية، وهو وإن اعترف بالثورة المصرية فقد كان مضطرا وعلى مضض وحتى ينتهي من سيناريو التوريث وتظل السلطة في يد المؤسسة العسكرية بصورة صريحة. ولكننا أصابتنا "لوثة" أمل، وانتعشت لدينا فكرة الجناح الوطني في السلطة عندما رأينا هذا التنسيق الشديد بين المجلس العسكري والإخوان خاصة في لجنة إعداد القوانين والإعلان الدستوري. ورغم كل تحفظاتنا على الطرفين: العسكر والإخوان فقد كنا نأمل أن يتوافقا ولكن في إطار مشروع يتجه نحو الاستقلال ولو بالتدريج، فإذا الطرفان يتصارعان على السلطة ويتصارعان على رضاء أمريكا باعتبارها من الثوابت وفي إطار قدسية كامب ديفيد. وقبل أن يتبين كل ذلك لنا كنت أرى ورغم انشغالاتنا المصرية ضرورة أن نمد الجذور ونتفاعل مع الثورات العربية لأن الهموم والتحديات واحدة، وكنتُ أرى أولوية للثورة الليبية؛ بسبب الجوار والامتداد الأرضي والتشابك القبلي على الحدود وبسبب الطابع الإسلامي الذي بدأ يكسو الثورة، وأقصد هنا الطابع الإسلامي الاستقلالي. وأنا أعرف الكثير عن ليبيا ليس من خلال المؤتمرات السياسية التي حضرتها هناك فحسب ولكن لأنني أمضيت فيها أياما طويلة في قاع المجتمع الليبي، وتجولتُ فيها على مدار أكثر من ألفي كيلو متر من السلوم حتى طرابلس في رحلة (أوتوستوب) صيف عام 1970، ولم تكن السيارات الملاكي تقف لنا بل سائقو الشاحنات الليبيون وهي تسير ببطء، وتتوقف كثيرا على الطريق للراحة والأكل فأمضينا (كان معي السفير خير الدين عبد اللطيف مساعد وزير الخارجية السابق، وكان صديق وزميل دراسة وكنا نتجه للسنة الثالثة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية) أمضينا أياما بين أبناء الشعب الليبي على طول الساحل. وأهم اكتشاف في هذه الرحلة هو معرفة مدى عمق حب الليبيين لمصر والمصريين، وهذا هو الكنز الذي نفرط فيه دائما مع ليبيا وغيرها، اكتشفنا كم الزيجات المشتركة بين ليبيين ومصريات، مدى حبهم للهجة المصرية، والأكل المصري، كنا نحمل على الجرابندية (حقيبة على الظهر) علم مصر، فبمجرد أن تمر الشاحنة علينا وترى العلم تتوقف لحملنا دون أن نشير لها وعلى مدار 2000 كيلو متر لم نتوقف دقيقة انتظار واحدة. كان معي في رحلة حول البحر المتوسط (40 دولارا + 12 جنيها ليبيا)!! وهذه الميزانية لا تسمح بالنوم في الفنادق، لا تتصوروا إذن أين كنا ننام؟! أذكر الآن أننا نمنا في درنة تلك المدينة الجميلة (لم تكن داعش قد تم تأسيسها حتى لا أتهم بأي شيء وأكرر أن ذلك كان عام 1970!!) ولكن أين في درنة؟! ذهبنا لقسم الشرطة وطلبنا المبيت!! فرحب بنا الضابط وأعطانا غرفة نظيفة بها 3 أسرة نظيفة، ربما هو مكان لمبيت الجنود ولكنه كان نظيفًا جدًا. وربما قاموا معنا بواجب الضيافة. وعليك أيها القارئ أن تسأل هل يمكن أن يحدث هذا في أي بلد؟! طبعا لقد رحبوا بنا كمصريين. وأذكر في طرابلس بيتنا عدة ليالٍ في إحدى المدارس (وكانت في العطلة الصيفية) انتظارا لموعد السفينة المتجهة لصقلية بعد أن رفضت تونس بورقيبة أن تعطينا تأشيرة في مصر أو في طرابلس بسبب الخلافات مع عبد الناصر. المهم كنا ننام على أسرة نظيفة في مدرسة داخل العاصمة طرابلس. هل يمكن أن يحدث ذلك في أي بلد آخر؟ المواطنون الليبيون ضعفاء أمام المصريين، وإذا وجدوا مصريا في الطريق لابد أن يكرموه ويقوموا معه بالواجب رغم أن العمالة المصرية كانت قد بدأت تصل بكثافة خاصة في الشرق (بني غازي). أعلم أن 44 عاما مضت جرت فيها مياه كثيرة، وأحداث عكرت صفو العلاقة بين الشعبين ولكن سيظل الأصل هو المحبة، ويكفي عندما تكون الحدود مفتوحة لترى كم السيارات الليبية التي تغرق القاهرة والإسكندرية خاصة في الصيف. بالإضافة لذلك قامت مصر بتأسيس كثير من المؤسسات الليبية في التعليم – الإعلام – المخابرات.. إلخ وقامت بعمليات البناء كالمقاولين العرب. عندما تفجرت الثورة الليبية، أصبح واضحًا أن نظام القذافي سينتهي قريبا، وكانت المصلحة الوطنية تتطلب الالتحام مع ثورة الشعب، وكان القذافي قد باع نفسه للغرب عقب سقوط نظام صدام حسين أي في حوالي عام 2004. من المفترض أن نكون مع قرار الشعب الليبي وكان واضحا أن القذافي أصبح محاصرا في طرابلس بعد أن سقطت سيطرته على الشرق (بني غازي)، وكان لنا رأي متميز فلسنا مع القذافي ولسنا مع تدخل الناتو، وكنا نرى ضرورة أن تتبنى مصر ثورة الشعب الليبي وتدعمها بما في ذلك الدعم العسكري، ولقد التقيت مع مجموعات من الثوار الليبيين التي كانت تأتي لمصر، وكان أهمها رئيس اللجنة الشعبية (أو التنسيقية) في مدينة البيضاء وقد استضفته في جامع عمرو بن العاص؛ حيث ألقى كلمة ألهبت حماس الجماهير. ولقد كنتُ مأخوذا بوعي المجموعات الشبابية الليبية التي التقيت بها في القاهرة، وعي سياسي وإسلامي مستنير، وبعضهم كان يقرأ لنا على الإنترنت، وكنت أركز معهم على ضرورة الخلاص من سيناريو الناتو، وتشكيل جبهة وطنية شعبية حقيقية لقيادة الثورة، وإلا فإن هذه الضربات الجوية ستقود إلى نفوذ غربي وأمريكي في ليبيا بعد سقوط القذافي، وقلتُ لهم إذا كانت هناك مشكلة في التسليح نبحثها، طبعا هذا المجال ليس مجالي ولكن كنتُ على استعداد للدخول فيه إذا وجدتُ مجموعات قوية وجادة: وكان السيناريو في ذهني هو الاتصال الرسمي بالمخابرات العامة في مقرها المعروف لبحث هذا الموضوع. ولكن المجموعات التي كانت تتصل بي لم تنتظم في الاتصال، وكانت من الكوادر الوسيطة وبالتالي لم يتطور هذا الأمر لأكثر من الكلام النظري. ولكن كان لنا جلسات مطولة حول كيفية تأسيس الأحزاب ومعالم البرنامج الوطني الإسلامي في ليبيا.. ولكن الأمور تطورت على نحو بالغ الخطورة ورأيت ضرورة الاتصال بالمجلس العسكري فماذا حدث..؟! (نواصل).
مصر أرسلت طيارين وخبراء في التعذيب لأسوأ حاكم في أفريقيا – وأرسلت سلاحًا لتمرد جنوب السودان}.
شيء مذهل حقًا.. عندما عرض السادات على كيسنجر (اليهودي وزير خارجية أمريكا) تحالفا استراتيجيا لمحاربة الشيوعية والاتحاد السوفيتي.. كانت القوات الإسرائيلية على بعد 85 كيلو متر من القاهرة وليس الكيلو 101 كما هو مشتهر، وأنا شخصيا شاهد على ذلك؛ لأنني كنت جنديا في الفرقة الثالثة مشاه ميكانيكي، وكانت تتصدى للثغرة الإسرائيلية في وادي أبو جاموس وهو على بعد 15 كيلو متر من الجفرة، والجفرة على بعد 70 كيلو متر من القاهرة!! كان السادات يعرض التحالف الاستراتيجي مع أمريكا وإسرائيل تخترق مصر إلى هذا الحد بالسلاح والمقاتلين والمعلومات الأمريكية، وكنا نتصدى لذلك بالسلاح السوفيتي، وكان الجسر الجوي العسكري السوفيتي يعمل على مدار الساعة لتعويض خسائرنا في الحرب، وعمومًا فقد ذكرت في دراسات سابقة أن الخطر الرئيسي على مصر والعروبة والإسلام من الحلف الصهيوني – الأمريكي وليس من الاتحاد السوفيتي السابق أو روسيا الحالية، بل يمكن إقامة علاقة مع روسيا في مواجهة الحلف الأمريكي، مع ضرورة الاعتماد أساسًا على النفس، المهم لم تكن هناك رائحة للمبدئية في موقف السادات تجاه قضيتنا الوطنية، ولا تجاه ما يمكن أن يسمى "حرب مقدسة ضد الشيوعية " لأن العبرة بالحرابة، من يحاربني هو العدو الأصلي حتى وإن كان من أهل الكتاب .
وحتى قبل الوصول إلى معاهدة السلام مع إسرائيل تقمص السادات روح وشخصية الجنرال والشرطي المحلي لأمريكا، وعندما قدمت له أمريكا (ضمن سياسة القطارة: نقطة نقطة) 14 طائرة نقل عسكرية من طراز 130، لم يعجبه ذلك وطلب من الولايات المتحدة إمداده بـ 40 طائرة مقاتلة من طراز "إف – 5 – إي" لتساعده في بناء "فيلق أفريقيا"؛ للقيام بدوريات لحماية الجانب الشمالي الشرقي من القارة!! واعتبرت الإدارة الأمريكية فكرة "فيلق أفريقيا" ضربًا من ضروب الخيال ونحته جانبًا إلا أنها وافقت على صفقة الطائرات (وثيقة لوزارة الخارجية الأمريكية) . وحتى مدير المخابرات الأمريكية فقد كان يخشى على السادات من مصير الشاه إذا اندفع في هذا الطريق فكتب في وثيقة رسمية: (سيكون من الصعب إثناء السادات عن طموحه ليكون شرطي الشرق الأوسط لكن هناك مخاطر حقيقية تكتنف تشجيعنا لهذا الدور. فهناك خطر في احتمال أن يتجاهل السادات مشاكله الداخلية أو أن يتجاهل استياء المؤسسة العسكرية من مثل هذه السيادة. ويحتمل أن تخلق هذه السياسة نفس النوع من المشاكل التي رأيناها للتو في إيران) ( ستانفيلد تيرنر) .
ولكن السادات اندفع بجنون لإثبات قدرته في مكافحة الشيوعية، وكان يجتمع مع السفير الأمريكي فور عودة العلاقات في 28 فبراير 1974 بصورة شبه يومية!! وفقا لمذكرات السفير الأمريكي من 1974 حتى 1979 هيرمان ايلتس .
وفي تلك الفترة (1976) منع السفن السوفيتية من دخول الموانئ المصرية (بدون داع وبدون مبرر من أي عمل صنعه السوفيت) على الرغم من أن الاتحاد السوفيتي ظل حتى ذلك الوقت الشريك التجاري الأكبر لمصر!! وأمد السادات رجل زائير القوي موبوتو سيسي سيكو وحليف الولايات المتحدة وواحد من أسوأ حكام أفريقيا والعالم بطيارين مصريين؛ لمساندته في معركته ضد المعارضة (التي افترض أنها شيوعية). وكشف لي أحد كبار الدبلوماسيين المصريين أن مصر قدمت أيضًا لموبوتو ضباطا من أمن الدولة كخبراء في التعذيب، ولم تتوان مصر السادات ومبارك عن تصدير هذه الخبرات "الثمينة" في التعذيب لمختلف الأنظمة العميلة لأمريكا مثل تونس مثلاً؛ حيث كانت عمليات التعذيب تأخذ أسماء لفنانين .مصريين (عملية شادية – عملية عبد الحليم حافظ) مع أن الفنانين المصريين أبرياء من الحكاية ولكنها كانت من وسائل مسخرة ضباط أمن الدولة
ورغم موقف الخارجية والمخابرات الأمريكية، إلا أن كارتر كان يستجيب لأحلام السادات في أن يكون قائد فيلق أفريقيا(!) حتى يورطه في التوقيع على كامب ديفيد، فخلال المفاوضات قال كارتر لمحمد إبراهيم كامل وزير الخارجية المصري كلامًا خطيرًا: (إن الاتحاد السوفيتي يمرح ويرتع في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط لأنه يعلم أن لمصر خمس فرق بأكملها مرابطة على ضفة قناة السويس لا يمكن تحريكها، فإذا ما توصلنا إلى اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل، فليس ثمة حاجة إلى بقاء هذه الفرق الخمسة مجمدة على القناة وسوف يصبح الرئيس السادات حرًا ويستطيع إعادة توزيعها على النحو الذي يراه ويختاره مما سيضطر الاتحاد السوفيتي إلى أن يعيد مراجعة حساباته ويتوخى الحذر في مغامراته وتصرفاته). ورفض الوزير الوطني هذا الكلام وقال: (إذا سمحت لي يا سيادة الرئيس، فإننا مجتمعون هنا لحل النزاع العربي – الإسرائيلي وليس التصدي لمخططات الاتحاد السوفيتي) (مذكرات محمد إبراهيم كامل – السلام الضائع في كامب ديفيد) ومعروف أنه استقال بعد توقيع السادات على اتفاقية كامب ديفيد .
وعندما جاء مبارك كانت علاقة التبعية قد استقرت وفقا للسقف الأمريكي، ولم يكن لدى مبارك طموحات تأسيس فيلق أفريقيا! وكما سمح الأمريكان للسادات بل تم تشجيعه على ضرب ليبيا 1977، ظلت ليبيا من المهام الموكولة للعميل المصري، أي تحديد دائرة ضيقة له ومنها ليبيا من دول الجوار ولها علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي، وبعد تولي مبارك للحكم بفترة وجيزة نشرت الولايات المتحدة اثنين من محطات الرادار الجوي (أواكس) بدعوى تفادي هجوم مفاجئ من القوات الليبية على مصر. وبدأت مناورات النجم الساطع بين الجيشين المصري والأمريكي في إشارة تهديد مبطنة للقذافي، وواصل مبارك سياسة السادات في دعم الحملة السرية الأمريكية ضد السوفيت في أفغانستان، ومن ذلك شراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والسعودية أسلحة سوفيتية قديمة بـ 50 مليون دولار سنويًّا لتهريبها إلى المقاتلين الأفغان عبر باكستان .
غل يد مصر عن السودان وليبيا
ورغم أن ليبيا كانت موكولة لمصر لتأديب القذافي وإدخاله بيت الطاعة الأمريكي وهذا ما كان يمارسه مبارك على القذافي في كل لقاءاته معه عندما عادت العلاقات بين البلدين، وظلت هذه من مهام مصر مبارك حتى إنهاء أزمة لوكيربي والاتفاق حولها وعندئذ استغنى الطرفان (ليبيا وأمريكا) عن مصر وأصبحت بينهما علاقات مباشرة شرحها بالتفصيل جورج تينت مدير المخابرات الأمريكية في مذكراته. ولكن أمريكا لم تترك السودان لمصر رغم أن الطرفين (أمريكا ومصر) ضد حكم الإنقاذ للبشير. وتعاملت أمريكا مع مصر في موضوع السودان كما تعاملت بريطانيا مع مصر، أي إبعاد مصر والاستحواذ على السودان. إذن مصر (مع الأسف أقولها والحزن يعتصرني) خدام تحت الطلب يعمل بالقطعة في مهام مختلفة ولا يوكل بصورة دائمة بأي ملف حتى بالنسبة لدول الجوار، عدا غزة بعد تولي حماس السلطة فيها، وذلك بحكم الاستحواذ الجغرافي لمصر على غزة. وأيضًا مسألة استخدام مصر كممر بحري وجوي للعبور العسكري الأمريكي. وهذا ما يريده الأمريكان من مصر (أمن إسرائيل.. وأمن البترول بمعنى توفير خطوط الدفاع العسكري عنه).
بالنسبة لليبيا بعد الاتفاق على تصفية موضوع طائرة لوكيربي وكان ذلك عن طريق السعودية (لا مصر !!) انتهت العلاقة المتميزة الناشئة بين مبارك والقذافي، وكان لسان حال القذافي: إذا كنت تريد إدخالنا بيت الطاعة الأمريكي فنحن نعلم عنوانه ويمكن أن نذهب بمفردنا مباشرة. ووصل الأمر إلى إلغاء القذافي دخول المصريين بدون تأشيرة وبدون جواز سفر بعد التوصل لذلك، وكانت العلاقات متوترة، وقامت الثورة في البلدين في ذات الوقت تقريبًا، فلم يكن لمصر أدنى تأثير فيما يجري في ليبيا ولا يزال الأمر حتى الآن وهذه كارثة بمعنى (الأمن القومي المصري) الذي كما ذكرنا تحول إلى كلمة بذيئة (أن تبيع نفسك لأمريكا وإسرائيل هذا هو الأمن القومي المصري).
أما بالنسبة للسودان فقد ظلت علاقات مصر متوترة مع نظام البشير، حتى اتجه هو بنفسه إلى أمريكا والغرب ودخل في مفاوضات فاشلة مع تمرد الجنوب أدى إلى تمزيق السودان، بانفصال الجنوب ثم الآن تهدد الأوضاع في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وآبيه وغيرها بالمزيد من التمزق والتشقق .
ولستُ هنا في معرض مناقشة مشكلة السودان بالتفصيل، ولكننا نؤمن أن مصر والسودان بلد واحد، وأن حل مشكلات الطرفين يكون بالتآلف والتحالف والتعاون ثم الاتحاد الطوعي، وأن السودان أهم لنا من أمريكا من الناحية الاقتصادية، وسنأتي لذلك في الجانب الاقتصادي من الدراسة إن شاء الله. نحن نتحدث الآن عن العلاقات الاستراتيجية العسكرية مع الولايات المتحدة وكيف أنها تمنع على مصر أن تمارس علاقاتها الطبيعية مع الأشقاء والجيران. وترى أمريكا أن السودان أثمن من أن تترك لمصر رغم العلاقات الأزلية بين البلدين لأن للسودان دورًا مهمًا في أفريقيا، وبالتالي لابد من السيطرة عليه أو تمزيقه إربا حتى لا يتحدث أحد فيه عن المشروع الحضاري الإسلامي. في التسعينات حدثت موجة من التوتر بين مصر والسودان على خلفية حلايب وشلاتين وعلى خلفية حادث أديس أبابا وعلى خلفية الطابع الإسلامي للإنقاذ. وبدأ الحديث عن حشود عسكرية مصرية على حدود السودان وبدأ دق طبول الحرب، وقد شننا حملة شديدة ضد هذا التوجه في صحيفة الشعب. في تلك الأثناء اتصل بي الملحق الصحفي بالسفارة الأمريكية طالبًا اللقاء في فندق الانتركونتيننتال (كنت أوافق على مثل هذه اللقاءات حتى عام 2003 عام غزو العراق وسأشرح ذلك في الفصل الأخير إن شاء الله) كان أغلب الحديث عن الأحوال في مصر ولا أتذكرها الآن وكنت قلقا من موقف أمريكا من السودان وكنت أريد أن استكشف هل هناك توجه أمريكي لإشعال الحرب مع السودان؟ ولكنه لم يفتح الموضوع وأثناء خروجنا من الفندق رأيت أن أفتح الموضوع وسألته: هل تتوقع نشوب حرب بين مصر والسودان؟ فقال لي: (ليش .. من شان شو ..) وكان يتحدث بلهجة شامية، وعدت من جديد أستوثق فقلت له: أنت تعلم أن هناك توترا بسبب حلايب وشلاتين واتهامات بضلوع السودان في حادث أديس أبابا، فأكد لي: مرة أخرى (أن هذه الموضوعات لا تستدعي الحرب ولا أظن أنها أمر محتمل). استرحت قليلاً وقتها لأن هذا كان أخشى ما نخشاه. ولكن من ناحية ثبت أن التصعيد المصري من جانب واحد أي بدون التنسيق مع أمريكا، وثبت أن أمريكا كانت ضد التدخل العسكري المصري في السودان وأن رأيها هو الذي نفذ!! ليس حبًا في العروبة أو من أجل حقن الدماء أو حرصًا على الأشقاء.. ولكن حتى لا يتمدد نفوذ مصر للسودان المجاور! وإن كنا مع دور فعال لمصر في السودان ولكن ليس بأسلوب الغزو، وليس بهدف إسقاط النظام هناك إسلامي كان أو غير إسلامي .
مصر تدعم التمرد الانفصالي عسكريًّا
وبدون التقيد بالتسلسل الزمني، لأنني لا أكتب تأريخيًّا، وإنما أعرض الموضوع، فلقد تسرب إلينا بالتدريج أن الحكومة المصرية تمد تمرد جون جارنج الانفصالي في جنوب السودان بالسلاح (كانت المعلومات عندي أنها مدفع هاون وأشياء أخرى)!! كنت أضرب أخماسا في أسداس بين مصدق ومكذب، فكل المتصلين بالمخابرات والأمن القومي في عالم السياسة والصحافة يرددون نفس الكلام الذي نقوله عن تمرد الجنوب، وأنه خطر على الأمن القومي العربي والمصري وليس السودان فحسب، بينما يتم إمداد التمرد بالسلاح بمعرفة مبارك وأبو غزالة وزير الدفاع.. لماذا لا يسأل العاملون في المخابرات أو العاملون تحت لوائها أنفسهم وضمائرهم، هل توجد جريمة وازدواج وكذب أكثر من ذلك، وهل توجد خيانة لمصر أكثر من ذلك؟ إذا لم تكن هذه هي الخيانة العظمى فماذا تكون إذن؟! خاصة والموضوع يتعلق بمسألة نهر النيل، ومشروع قناة جونجلي الذي يوفر 4 مليارات متر مكعب لمصر والسودان، بينما تقف حركة التمرد ضد هذا المشروع الذي يقع في أراضي الجنوب السوداني، بل لقد كتبت عن مفاجأة مذهلة في ذلك الوقت أن الدكتوراه الحاصل عليها جون جارنج هي حول مضار هذا المشروع !! (مشروع قناة جونجلي) .
عندما كنتُ عضوا بمجلس الشعب (1987 – 1990)، حضر المشير أبو غزالة مرة واحدة للمجلس وكان يتحدث في لجنة الأمن القومي وحضرت الاجتماع، وهذه هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها أبو غزالة، وأشهد أن حديثه أعجبني من حيث الذكاء وإبداء الوطنية عندما ذكر أنه يفكر أن يدخل في المدارس تدريبات المظلات، ثم عاد وقال: هذا كلام سري لن تسربوه للصحف حتى لا يحدث مشكلات (كان الصحفيون ممنوعين من الحضور). ولا أتذكر إن كان قد هاجم السودان أم لا؟ ولكن الهجوم على السودان كان يملأ وسائل الإعلام، وطلبت الكلمة وكنت الوحيد الذي وجه انتقادات لسياستنا الخارجية والدفاعية (كان وزير الخارجية عصمت عبد المجيد موجودا)، وركزتُ على السودان، واعترضتُ على إقامة علاقات مع التمرد، وقلتُ إن توثيق العلاقات مع الخرطوم مسألة أمن قومي عليا لمصر حفاظا على وحدة البلاد، وسخرت من إعلان الحكومة المصرية اعتزامها زراعة القمح في زائير!! وقلتُ هذه مكايدة للسودان، وهزل في موطن الجد، ونحن لا يمكن أن نزرع القمح في زائير، وهذا عبث. ورد علي أبو غزالة بتوتر وقال: من حقنا أن نقيم علاقات مع من نشاء (يقصد زائير !! وأنا لست ضد علاقة مع زائير عموما) ويمكن الرجوع إلى تفاصيل هذا الصدام في كتابي (مصر والسودان)، وتأكدت من هذا الحديث وجود علاقة عسكرية مع جنوب السودان. وفي إحدى زياراتي للخرطوم بعد ذلك وفي لقاء مع الرئيس السوداني بشير أعرب عن حزنه لوقوع أسلحة مصرية في أيدي الجيش السوداني وجدوها مع المتمردين (وكان اللقاء مع مجموعة من السياسيين المعارضين المصريين ولم أكن وحدي). (ملاحظة للشعب: كشف الزميل صابر شوكت أخيرا في أخبار اليوم أن شركة مبارك وأبو غزالة وحسين سالم ومنير ثابت وهي شركة الأمل للنقل البحري التي كانت مختصة بنقل الأسلحة الأمريكية لمصر، كانت تقوم بنقل شاحنات سلاح لجون جارانج وغيره من المتمردين في أفريقيا الذين تؤيدهم وتشجعهم أمريكا وهذا يعني أن جارانج كان يتلقى أسلحة مصرية وأسلحة أمريكية عن طريق مصر) "الشعب "
وعندما كان جون جارانج على وشك أن يقيم دولته باستفتاء معروف نتيجته، جاء لزيارة القاهرة، وكان له لقاء مع المثقفين والسياسيين في الأهرام وكنتُ مدعوا، ولكن عندما ذهبتُ لحضور اللقاء منعني الأمن من الدخول، ولا أدري ماذا كنتُ سأفعل معه؟! ولكنني لم أفجر مشكلة لأنني لم أكن متحمسًا للقاء بلا جدوى. وعلمت من مصادر موثوقة أن جارانج كان يقول لمن يقابله: إنه كان واثقا من النصر وإنه سيقيم دولة منفصلة في الجنوب. وعندما يسأل عن سبب هذه الثقة فكان يجيب: إنني أتلقى المساعدات بما في ذلك المساعدات العسكرية من أقرب الناس للسودان: مصر وليبيا!! (طبعا عندما يضم ذلك لدعم أمريكا وإسرائيل والغرب وكنائس الغرب وأثيوبيا وأوغندا وكينيا!!). وهذه أيضا من أعاجيب هذا المنافق (القذافي) أمين القومية العربية، فهو يمول حركة معادية صراحة للعروبة بل تجاهر بأنها تنفصل عن الشمال؛ لأنه عربي .. ومسلم!! (لقي جارانج مصرعه في حادث غامض لسقوط طائرته في أوغندا) إذا لم تكن المشانق خلقت من أجل مثل هذه الجرائم، فلماذا تم اختراعها؟! أقول ذلك عن مبارك ومنير ثابت وحسين سالم وهم أحياء هذه الجريمة، ولكن الأولان في حمى المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية والثالث يستعد للعودة من أسبانيا بطلا مغوارًا، على كثرة جرائمه في مجال ما يسمى (الأمن القومي) الذي تحول كما قلت لكلمة بذيئة لا معنى لها .
وأنا أسأل العاملين في حقل الأمن القومي والمخابرات وأستحلفهم بالله، ألا تذكرون ماذا كنتم تقولون عن تفريط شمال السودان في الجنوب، واعتراضكم على مبدأ مفاوضات تنتهي بتقرير المصير واعتبرتموه طريق الانفصال الضار بالسودان ومصر والعرب. بل أذكركم أن هذا تحول إلى موقف رسمي لمصر فرفضت المشاركة في هذه الجريمة: جريمة التفاوض فانسحبت منها وتركت بلادًا أفريقية وأوروبية وأمريكا تشارك في الطبخة المسمومة: بينما قيادة المؤسسة العسكرية المصرية تدعم التمرد عسكريًّا !!
وفعل نظام الإنقاذ السوداني – كما فعل القذافي – وساروا على أقدامهم إلى الشيطان، إنهم يعرفون عنوانه.. بل هو باعتباره من الجن موجودا في أماكن كثيرة ولكن عناوينها معروفة أيضًا، هو بنفسه سيفتح لك الأبواب والنوافذ يكفيك أن تنوي!! طبعا لم يتهاو النظام السوداني، كما تهاوى القذافي سريعا في التبعية، النظام السوداني صار في طريق ملتوٍ ولا يزال يسير من سيئ إلى أسوأ وإن كنت لا أزال أرى أنه يحتفظ بقدر لا بأس به من الاستقلال، ولكن على مساحة أقل فأقل من أرض السودان، ولم يعد عنده أي فرامل تحول للاندفاع باستمرار نحو مزيد من التبعية. ولكنني أتناول الموضوع الآن من زاوية مصر. فعندما رأى نظام السودان أن مصر تخلت عنه، فهي تمد خطوطها مع التمرد، وتضغط على الشمال ليقلع عن حكاية "الإسلام"!! سار على أقدامه وهو في كامل قواه العقلية إلى أمريكا ليتفاوض معها، بل اعتبر أن موافقة أمريكا على مبدأ التفاوض، مكسب للسودان !!
في إحدى زياراتي لبيروت لحضور أحد المؤتمرات التقيت مع إبراهيم عمر الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، وطلبت أن نجلس في غرفته بالفندق لأنني أريد الحديث طويلاً عن أحوال السودان وقد انقطعت عنها وبالفعل جلسنا جلسة مطولة مفيدة، وكان في حديثه يقول: قلنا لكونفورث، وقال كونفورث، فلم أعر الموضوع اهتماما في البداية، ولكنني وجدته يكرر اسم (كونفورث) كثيرًا ولم أعد أفهم ما الموضوع فقلتُ له من (كونفورث) هذا، فقال لي: هذا المبعوث الأمريكي للسودان، وفهمتُ أنه شبه مقيم في السودان أو يسافر ويعود على فترات متوالية. وكانت هذه بداية التفاوض الأمريكي التي أوصلت للتفاوض مع التمرد. وقد لاحظتُ في كلام د. إبراهيم ليونة، فقلتُ له: أخشى من السير في هذا الطريق، فقال لي: (نحن الآن نستخرج البترول وبنينا خط أنابيب طويلا، أطول خط في أفريقيا من أجل تصديره عبر بورسودان، وقد تلقينا تهديداتٍ بضرب هذه الأنابيب، وهذا سيوقف عملية التنمية). وأخذت دور المستمع حتى نهاية الجلسة، ولكن قلت بعد ذلك لمن معي من حزب العمل/ الاستقلال هذه علامة لا تبشر بالخير، فإذا أنت فكرت بهذه الطريقة فلن يكون أمامك سوى رفع الراية البيضاء، وهذا ما حدث في مصر أيام المتهمين الأمريكان بتمويل جماعات مصرية؛ حيث تم الإفراج عنهم بصورة مهينة للقضاء وقيل إن مبرر ذلك أن أمريكا هددت باحتلال القناة!! وهكذا يمكن لأمريكا أن تحصل على ما تريد بمجرد التهديد بالكلام وسنناقش هذا عندما نصل لمرحلة المجلس العسكري، ولكن ما يهمنا الآن أنه بتخلينا – بوزن وأهمية مصر الجارة – عن السودان، دفعناها – كما دفعنا القذافي – إلى أحضان أمريكا. ثم نعود نتباكى على الأمن القومي المصري الذي ذبحناه بأيدينا. وفي فترة التوتر الرسمي بين مصر والسودان في التسعينيات من القرن الماضي زارني مصطفى بكري في بيتي وهذه من المرات النادرة وربما الوحيدة، ولا أذكر سبب هذا اللقاء، ولكن أذكر أننا عرجنا على موضوع السودان، فقال لي إن السودان تحت السيطرة ولا يمكن أن يفلت من يد مصر، ويوجد في كل كيلو متر مربع سوداني عنصر مخابرات مصري!! وبغض النظر عن هذه المبالغة فقد برهنت الأيام بعد عقدين من الزمان إلى أي حد أصبحت المخابرات المصرية ضعيفة التأثير في السودان وليبيا ومختلف دول أفريقيا. وأن طموحات السادات في تشكيل فيلق أفريقيا تقلصت إلى تشكيل فيلق لضرب المظاهرات المصرية، ومحاصرة بنات الأزهر، ومحاصرة غزة المحاصرة أصلاً! إن ليبيا – السودان – فلسطين هم المثلث الأول لأمن مصر وتنميتها الاقتصادية، ونحن تركنا أضلاع المثلث كلها نهبا للأعداء وأصبحنا نحن محاصرين داخل مصر. حدث نوع من التعايش السلمي بين مصر والسودان (بعد خراب مالطا وانفصال الجنوب) واستمر حتى الآن ولكن في إطار علاقات واهية واهنة أبعد ما تكون عن العمق الاستراتيجي المطلوب، فواصلت أمريكا قضم أطراف السودان عن طريق التمردات المختلفة المدعومة من دولة الجنوب الجديدة العميلة لإسرائيل وانتشرت التمردات المسلحة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وآبيه، السودان يغوص في مستنقع التمزيق والتدخلات الأجنبية تحت راية الأمم المتحدة، ومصر تبحث كارثة المياه مع أثيوبيا، بدون تنسيق مع السودان، وتحل مشكلة أمنها الغذائي باستيراد اللحوم والدواجن من أقاصي الأرض (أمريكا – البرازيل مثلاً) بدلاً من التعاون مع السودان، وهذه مجرد أمثلة. المهم كل طرف أصبح يتعامل مع أمريكا منفردا فأضعفت أمريكا البلدين، وأغرقت مصر في الفوضى، وغاص المصريون في مستنقع لا يسمح لهم بمجرد رؤية السودان وليبيا بالعين المجردة !!
الثورة الليبية وحماقة المجلس العسكري
كان المجلس العسكري يسير بالضبط وبالكربون على خطى مبارك في السياسة الخارجية، وهو وإن اعترف بالثورة المصرية فقد كان مضطرا وعلى مضض وحتى ينتهي من سيناريو التوريث وتظل السلطة في يد المؤسسة العسكرية بصورة صريحة. ولكننا أصابتنا "لوثة" أمل، وانتعشت لدينا فكرة الجناح الوطني في السلطة عندما رأينا هذا التنسيق الشديد بين المجلس العسكري والإخوان خاصة في لجنة إعداد القوانين والإعلان الدستوري. ورغم كل تحفظاتنا على الطرفين: العسكر والإخوان فقد كنا نأمل أن يتوافقا ولكن في إطار مشروع يتجه نحو الاستقلال ولو بالتدريج، فإذا الطرفان يتصارعان على السلطة ويتصارعان على رضاء أمريكا باعتبارها من الثوابت وفي إطار قدسية كامب ديفيد. وقبل أن يتبين كل ذلك لنا كنت أرى ورغم انشغالاتنا المصرية ضرورة أن نمد الجذور ونتفاعل مع الثورات العربية لأن الهموم والتحديات واحدة، وكنتُ أرى أولوية للثورة الليبية؛ بسبب الجوار والامتداد الأرضي والتشابك القبلي على الحدود وبسبب الطابع الإسلامي الذي بدأ يكسو الثورة، وأقصد هنا الطابع الإسلامي الاستقلالي. وأنا أعرف الكثير عن ليبيا ليس من خلال المؤتمرات السياسية التي حضرتها هناك فحسب ولكن لأنني أمضيت فيها أياما طويلة في قاع المجتمع الليبي، وتجولتُ فيها على مدار أكثر من ألفي كيلو متر من السلوم حتى طرابلس في رحلة (أوتوستوب) صيف عام 1970، ولم تكن السيارات الملاكي تقف لنا بل سائقو الشاحنات الليبيون وهي تسير ببطء، وتتوقف كثيرا على الطريق للراحة والأكل فأمضينا (كان معي السفير خير الدين عبد اللطيف مساعد وزير الخارجية السابق، وكان صديق وزميل دراسة وكنا نتجه للسنة الثالثة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية) أمضينا أياما بين أبناء الشعب الليبي على طول الساحل. وأهم اكتشاف في هذه الرحلة هو معرفة مدى عمق حب الليبيين لمصر والمصريين، وهذا هو الكنز الذي نفرط فيه دائما مع ليبيا وغيرها، اكتشفنا كم الزيجات المشتركة بين ليبيين ومصريات، مدى حبهم للهجة المصرية، والأكل المصري، كنا نحمل على الجرابندية (حقيبة على الظهر) علم مصر، فبمجرد أن تمر الشاحنة علينا وترى العلم تتوقف لحملنا دون أن نشير لها وعلى مدار 2000 كيلو متر لم نتوقف دقيقة انتظار واحدة. كان معي في رحلة حول البحر المتوسط (40 دولارا + 12 جنيها ليبيا)!! وهذه الميزانية لا تسمح بالنوم في الفنادق، لا تتصوروا إذن أين كنا ننام؟! أذكر الآن أننا نمنا في درنة تلك المدينة الجميلة (لم تكن داعش قد تم تأسيسها حتى لا أتهم بأي شيء وأكرر أن ذلك كان عام 1970!!) ولكن أين في درنة؟! ذهبنا لقسم الشرطة وطلبنا المبيت!! فرحب بنا الضابط وأعطانا غرفة نظيفة بها 3 أسرة نظيفة، ربما هو مكان لمبيت الجنود ولكنه كان نظيفًا جدًا. وربما قاموا معنا بواجب الضيافة. وعليك أيها القارئ أن تسأل هل يمكن أن يحدث هذا في أي بلد؟! طبعا لقد رحبوا بنا كمصريين. وأذكر في طرابلس بيتنا عدة ليالٍ في إحدى المدارس (وكانت في العطلة الصيفية) انتظارا لموعد السفينة المتجهة لصقلية بعد أن رفضت تونس بورقيبة أن تعطينا تأشيرة في مصر أو في طرابلس بسبب الخلافات مع عبد الناصر. المهم كنا ننام على أسرة نظيفة في مدرسة داخل العاصمة طرابلس. هل يمكن أن يحدث ذلك في أي بلد آخر؟ المواطنون الليبيون ضعفاء أمام المصريين، وإذا وجدوا مصريا في الطريق لابد أن يكرموه ويقوموا معه بالواجب رغم أن العمالة المصرية كانت قد بدأت تصل بكثافة خاصة في الشرق (بني غازي). أعلم أن 44 عاما مضت جرت فيها مياه كثيرة، وأحداث عكرت صفو العلاقة بين الشعبين ولكن سيظل الأصل هو المحبة، ويكفي عندما تكون الحدود مفتوحة لترى كم السيارات الليبية التي تغرق القاهرة والإسكندرية خاصة في الصيف. بالإضافة لذلك قامت مصر بتأسيس كثير من المؤسسات الليبية في التعليم – الإعلام – المخابرات.. إلخ وقامت بعمليات البناء كالمقاولين العرب. عندما تفجرت الثورة الليبية، أصبح واضحًا أن نظام القذافي سينتهي قريبا، وكانت المصلحة الوطنية تتطلب الالتحام مع ثورة الشعب، وكان القذافي قد باع نفسه للغرب عقب سقوط نظام صدام حسين أي في حوالي عام 2004. من المفترض أن نكون مع قرار الشعب الليبي وكان واضحا أن القذافي أصبح محاصرا في طرابلس بعد أن سقطت سيطرته على الشرق (بني غازي)، وكان لنا رأي متميز فلسنا مع القذافي ولسنا مع تدخل الناتو، وكنا نرى ضرورة أن تتبنى مصر ثورة الشعب الليبي وتدعمها بما في ذلك الدعم العسكري، ولقد التقيت مع مجموعات من الثوار الليبيين التي كانت تأتي لمصر، وكان أهمها رئيس اللجنة الشعبية (أو التنسيقية) في مدينة البيضاء وقد استضفته في جامع عمرو بن العاص؛ حيث ألقى كلمة ألهبت حماس الجماهير. ولقد كنتُ مأخوذا بوعي المجموعات الشبابية الليبية التي التقيت بها في القاهرة، وعي سياسي وإسلامي مستنير، وبعضهم كان يقرأ لنا على الإنترنت، وكنت أركز معهم على ضرورة الخلاص من سيناريو الناتو، وتشكيل جبهة وطنية شعبية حقيقية لقيادة الثورة، وإلا فإن هذه الضربات الجوية ستقود إلى نفوذ غربي وأمريكي في ليبيا بعد سقوط القذافي، وقلتُ لهم إذا كانت هناك مشكلة في التسليح نبحثها، طبعا هذا المجال ليس مجالي ولكن كنتُ على استعداد للدخول فيه إذا وجدتُ مجموعات قوية وجادة: وكان السيناريو في ذهني هو الاتصال الرسمي بالمخابرات العامة في مقرها المعروف لبحث هذا الموضوع. ولكن المجموعات التي كانت تتصل بي لم تنتظم في الاتصال، وكانت من الكوادر الوسيطة وبالتالي لم يتطور هذا الأمر لأكثر من الكلام النظري. ولكن كان لنا جلسات مطولة حول كيفية تأسيس الأحزاب ومعالم البرنامج الوطني الإسلامي في ليبيا.. ولكن الأمور تطورت على نحو بالغ الخطورة ورأيت ضرورة الاتصال بالمجلس العسكري فماذا حدث..؟! (نواصل).
الحلقة 14:
* فى القرآن بعدد مماثل: محمد - مصر - مكة والمدينة - أيوب!!
* عبد الناصر طلب سلاحًا من أمريكا فأرسلت له مجموعة مسدسات!
* أمريكا تولت أمن الرئاسة المصرية منذ مايو 1974!!
وصلنا فى الفصل السابق إلى محورية مسألة البحث العلمى؛ وضرورة اقتحام مجال العلم والتكنولوجيا بروح استقلالى، وليس بروح الطفل الذى يريد لأحد أن يصنع الأكل فى فمه، وربطنا ذلك بالتنمية الاقتصادية والتصنيع الحربى على السواء كعملية واحدة.
وقبل أن نترك مسألة التصنيع الحربى نؤكد ضرورته للأمن القومى فى بلد له موقع مصر وجيرانها (إسرائيل)، وأن التصنيع الحربى ليس مراعاة للخوف من تبديد الموارد، بل هو نفسه يتحول إلى مورد مهم بالتصدير (السلاح من أهم صادرات إسرائيل وإيران وروسيا والصين) والمعرفة التكنولوجية فى التصنيع الحربى تصب فى التصنيع المدنى الوطنى.. وأرى أهمية دراسة تجربتى باكستان وإيران فى التصنيع الحربى التقليدى باعتبار أنهما من البلاد المتماثلة لظروفنا (خاصة إيران)، فباكستان لم تكتف بالقنبلة النووية؛ بل دخلت فى مرحلة تصنيع مختلف أنواع الصواريخ، وكذلك أنواع محددة من الطائرات الحربية وغير ذلك، أما إيران فبعد المحنة التى مرت بها فى الحرب مع العراق، أقصد المحنة التسليحية؛ حيث كان الجيش بتسليح أمريكى ولكن بدون ذخيرة أو صيانة أو استعواض؛ بسبب انقطاع العلاقات مع أمريكا فاتخذت قرارًا استراتيجيًّا بتحقيق الاكتفاء الذاتى فى مختلف أنواع الأسلحة، ويبدو أنها حققت ذلك إلى حد كبير وبكفاءة تكنولوجية مشهودة من المتخصصين الدوليين كالخبراء العسكريين الروس. فهى تنتج مختلف أنواع الصواريخ وأسلحة الدفاع الجوى، والطائرات والدبابات والمدرعات والغواصات الصغيرة والقطع البحرية. وقد زودت المقاومة اللبنانية والفلسطينية بالصواريخ أو بتقنية صناعة الصواريخ، ووصلت إلى الاكتفاء الذاتى فى شكل كامل فى مجالات إنتاج المعدات والقدرات الرادارية وأجهزة الرصد فى السماء إلى أبعد نقطة مع القدرة على إسقاط الأهداف، وهو ما حدث مع بعض طائرات إسرائيل التجسسية بدون طيار، والتى أسقطت على الأرض الإيرانية.
كما وصلت إلى مرحلة الاكتفاء الذاتى فى مجال إنتاج الطائرات بدون طيار، وتقوم بتصدير تقنية صناعة الطائرات من دون طيار إلى سائر البلدان.
ملاحظة للشعب: نشير إلى أن إيران قد أطلقت القمر الصناعى (فجر) وهو القمر الرابع لها بواسطة الصاروخ الإيرانى الصنع "سفير فجر" ذلك يوم 2 فبراير الجارى 2015، واستلمت القواعد الأرضية الصور التى أرسلها، والقمر "فجر" يزن 50 كيلو جرامًا يعمل على الرصد والتقاط الصور، وإرسالها إلى القاعدة الأرضية فهو يصنع فى مؤسسة التصنيع العسكرى. وكانت أول تجربة عام 2009 ثم أرسلت طهران أول كائن حى إلى الفضاء عام 2013، والثانى عام 2014. و"فجر" ثمرة إيرانية 100%، نتاج جهود علماء إيران والمتخصصين فى شركة الصناعات الإلكترونية الإيرانية وبقية الشركات والمراكز البحثية والعلمية والجامعية فى إيران. وكان مجدى حسين قد دعا لذلك فى الحلقة السابقة أى تصنيع قمر صناعى مصرى 100%، ومع ذلك فقد أعرب عن تقديره للقمر الصناعى المصرى المنتج فى روسيا على أساس أن تكون إدارته مصرية 100% وخطوة على طريق التصنيع المصرى. (الشعب).
نواصل مع مجدى حسين:
والرأى العام فى بلادنا - بسبب الإعلام وانهيار القيادة - يقول: "وإحنا مالنا ومال الحكاية دى يا عم" إحنا "عاوزين ناكل عيش".. و"تعبنا من الحروب".. وهذه عقدة هذه الدراسة من أولها إلى آخرها، فنحن نخرج بهذا الموقف صراحة على أوامر الله ونعصاه. أشرنا لآية "وأعدوا" ونضيف الآن قاموسًا إلهيًّا آخر لا يحتمل التأويل أو التفسير إلا بمعنى واحد.. أن نكون دائمًا مستعدين للحرب لأن هذه هى سنة الله فى الأرض: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة: 216).
وهذه الدراسة تقدم مذكرات تفسيرية طويلة، وبالتالى فهى أوسع من مجرد تفسير لبعض آيات القرآن الكريم، بل هى حشد للوقائع المحلية والإقليمية العالمية وتحليلها لإدراك أهمية الالتزام بهذه النصوص.
(وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم) لم تكتشفوا بعد شرور، سلام كامب ديفيد، وهل تريدون مصائب أكثر من هذا؟! إذن انتظروا المزيد من المصائب!
لقد تناولت فى دراسة (السيرة النبوية) مسألة مركزية مصر فى العالم وفقًا للقرآن الكريم، والآن أذكر فقط بأن مصر ذكرت الاسم 4 مرات، وأن مكة والمدينة ذكرتا معًا بالاسم (4 مرات)، وأن مصر هى البلد الوحيد (البلد وليس المدينة أو القبيلة) فى العالم وورد ذكرها فى القرآن التى يستخدم اسمها حتى الآن، وسيناء ذكرت بالاسم 2 مرة = 2 مكة = 2 المدينة. وهناك نبى واحد ذكر اسمه 4 مرات مثل مصر هو أيوب!! فاستعدوا دومًا للصبر. والأهم أن سيدنا محمد ذكر اسمه بـ"محمد" 4 مرات، ولكن كسر ذلك أنه ذكر مرة خامسة بالاسم "أحمد"، ولكن يبقى فى النهاية بالحرفية (مصر 4 - محمد 4 - مكة والمدينة 4 - أيوب 4)، طبعًا مكة ذكرت مرة بـ "بكة" ولكنها طريقة مختلفة فى النطق. أحسب أن هذا المثال الرقمى له أهمية رمزية.
وتاريخ العالم يؤكد دور مصر المركزى، وهذا "إعجاز سياسى أو استراتيجى أو جغرافى سياسى" - سمه كما شئتَ فى القرآن الكريم، ولكن نخبة مصر تتحدث فى أى شىء إلا هذا الموضوع، وإذا تحدثت هى والإعلام يأخذ الموضوع شكلاً مبتذلاً فى عظمة مصر وعزها، وهذا كلام أصبح يثير السخرية ونحن أكبر شحاذ فى المنطقة. أحسب أن لا أحد يفوقنى فى حب مصر، فقد رضعت هذا الحب فى بيت أحمد حسين وعشت فى مدرسة متوازنة لا ترى أى تضاد بين الدين والوطنية، وحب الإسلام وحب مصر. مع أن الإسلام هو الإطار الأرحب الذى يحتوى مصر وغيرها.
ولكننى تعلمت أيضًا فى هذه المدرسة، ومن دراساتى أن حب مصر يصبح أمرًا مبتذلاً إذا تحول إلى حديث سطحى عن 7 آلاف سنة حضارة، والحقيقة أنها 14 ألف سنة، بل ربما ملايين السنين (عُثر على هياكل عظمية فى مصر عمرها مليون سنة)!! حديث سطحى فى أغلب الأحيان، وبكاء على الحضارة الضائعة فى أحيان قليلة، مع التوقف الفعلى عن مواكبة الحضارة، والتوقف عن بذل أقصى الجهد لبناء البلد وإعزاز الشعب وإشراكه فى هذا البناء، والتوقف عن إدراك دور مصر القيادى والريادى. بعيدًا عن حكاية إعلام الريادة (بتاعة صفوت الشريف) حيث أصبح لنا عشرات القنوات الفاشلة كجثث معذبة تحت أقدام قناة واحدة (الجزيرة) رغم خلافى المعروف والمعلن معها، إلا إننى اعترفت دائمًا بمهنيتها العالية. ولذلك صدق من سخر بشكل قاسٍ من صفوت الشريف وقال (بل إعلام الريالة).
إن هؤلاء الذين يعبدون كرسى الحكم ويعبدون أى تافه يجلس عليه، ومن باب أولى يعبدون أمريكا هؤلاء عبء ثقيل على مصر، ولا أدعو إلى إزالتهم من الوجود، ولكن لابد أن يزاحوا من المشهد السياسى والإعلامى باعتبارهم نفايات، صحيح صفوت الشريف مختف فى منزله, ولكنه أطلق علينا الجيل الذى رباه قوادون.. كاذبون.. منافقون.. فاقدون للحياء.. وبالأخص عندما يمثلون "حب مصر وعشقها" وأياديهم فى جيوبهم تتحسس الدولارات الإماراتية.
كان لابد أن أضع حاجزًا قاطعًا وثقيلا بين حديثى الدائم عن دور مصر وبين هذا الغثاء الإعلامى.
أكرر أن نهضة مصر ارتبطت بقوتها بما فى ذلك القوة العسكرية، وارتبطت بقيادتها للمنطقة، وبالتالى فإن من يبحثون عن الرفاه الاجتماعى أقول لهم إنه ارتبط دائمًا بالقوة خاصة فى حالة مصر (راجعوا موسوعة تاريخ مصر لأحمد حسين) وإذا توقفت عند القرنين الماضيين فقط، فإن إنجلترا هزمت فرنسا وأصبحت هى القوة الأعلى فى العالم عندما سيطرت على مصر، وبدأ الميزان يميل لصالح الاتحاد السوفيتى عالميًّا عندما تحالف مع مصر، وأن أمريكا عندما أصبحت القوة الأولى المنفردة فى العالم كانت مصر فى حوزتها.. وعندما هزم "روميل" الألمانى فى معركة العلمين كانت هذه هى بداية نهاية ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية، وفى المقابل كانت مصر قائدة الإقليم وأحد وأبرز قوى العالم فى عهدين: محمد على وعبد الناصر، وتميزا بالاهتمام بالتصنيع الحربى الوطنى، وتميزا بالتقدم الاقتصادى، وإن كانت تجربة محمد على أكثر ثراء. (راجع كتابى.. مدونات ثورية) ورغم ملاحظتنا الانتقادية للتجربتين، وأننا لا نريد استرجاعهما فى جوانبهما المظلمة، فلابد من الإشارة إلى أنهما ضربتا بالتكالب العالمى العسكرى وبالإغراق فى الديون. مع ملاحظة أن الإغراق فى الديون تم بعد موت مؤسس التجربة فى الحالتين، فقد كان محمد على وعبد الناصر حذرين من الديون. ولكن فعل ذلك سعيد وإسماعيل ثم السادات ومبارك ومرسى والسيسى.
إذن مصر بحكم موقعها حتى قبل قناة السويس، وموضعها بين العرب والمسلمين ومكانتها الحضارية لا يمكن للصراع العالمى أن يتجاهلها. وبالتالى فمصر دائمًا أمام خيارين فى منتهى الحيرة بدون وسط: إما أن تكون عبدًا لقوة عظمى، أو تكون قائدة المنطقة. وأى إنسان مصرى حر أو مسلم يعرف عقيدته لابد أن يختار الخيار الثانى مهما كانت تكاليفه. وتكاليف العزة أقل بكثير من تكاليف العبودية؛ ليس فقط على الجانب الروحى والمعنوى وهو الأساسى، ولكن حتى بحسابات المكسب والخسارة بالمعايير المادية.
التسليح بين عبد الناصر والسادات:
انكسر عبد الناصر فى المجال العسكرى.. بعد أن حقق نجاحات معقولة جدًا فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية.. العمود الفقرى لقيادة مصر للعرب والمسلمين هو القوة العسكرية، وهى أساسًا للدفاع والهيبة والمكانة وليست للاستخدام اليومى، ولكن عبد الناصر كان فى دخيلة نفسه ينتوى تأجيل المواجهة مع إسرائيل إلى أجل غير مسمى، وقد بعث بهذه الرسائل لإسرائيل فازداد قلقها، فهى رأت أنه يريد أن يقوى اقتصاديًّا ثم يفكر فى ضربها، فرأت أن تقتل التجربة فى المهد.
فى السلاح كان ما يشغل عبد الناصر إرضاء الجيش المصرى الذى يتذمر كأى جيش يجد تسليحه ضعيفًا كمسألة كرامة وكمسألة مهنية، وليس فى إطار خطة استراتيجية لبناء جيش قوى وقادر، وفى إطار سعيه للحصول على سلاح من الولايات المتحدة حصل بالفعل على صفقة مضحكة (مسدسات)! فى تلك الفترة ذكر عبد الناصر فى حديث للصحفى الأمريكى "سيروس سالزبرجر" فى عام 1955 (إن الجيش عامل أساسى فى الحياة المصرية. كان نقص العتاد العسكرى هو ما حفزنا على القيام بالثورة. لو شعر الضباط بأنه لا توجد لديهم معدات فسيفقدون الإيمان بالحكومة).
الاعتداء المهين للجيش الإسرائيلى على معسكر الجيش المصرى فى غزة مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات أجبر عبد الناصر على التفكير الجدى فى التسليح بصفقة الأسلحة التشيكية، ولكن اهتمامه بالجيش ظل معيبًا بصورة مروعة، وظل يتركه فى يد غير أمينة (عبد الحكيم عامر) لمجرد ثقته الشخصية فيه، فهُزمنا عسكريًّا فى 1956 وظهر ضعفنا العسكرى، وفى اليمن تعرض الجيش لأوضاع محرجة عديدة، ثم هزيمة 1967 التى لا مثيل لها فى التاريخ. وعندما وقع السادات معاهدة السلام مع إسرائيل اعتبر أن الحرب قد انتهت تمامًا معها، وكان متلهفًا للسلاح الأمريكى الذى لم يفيدنا فى أى مواجهة مقبلة مع إسرائيل.
كان السادات حريصًا - كعبد الناصر عام 1955 - على مجرد إرضاء المؤسسة العسكرية المصرية بعد انقطاع السلاح السوفيتى. بل لقد تعامل السادات مع السوفيت فى تلك المرحلة بأسلوب انتهازى، لا أخلاقى، لا يليق بالمسلمين بشهادة العرب!! فمنذ التفاوض مع كيسنجر لفض الاشتباك الأول كان حريصًا على الضغط على السوفيت للحصول على المزيد من السلاح لمجرد مساومة أمريكا وإسرائيل، وهذا ما يعترف به أبو الغيط (وزير الخارجية السابق) بدون أى وخز ضمير: (إن السادات رغم انفتاحه الكامل وتوجهه المطلق فى التحرك على المسار الأمريكى الواعد كان يعى أن عناصر القوة المصرية المسلحة هى الأساس لتطويع الموقف الأمريكى والإسرائيلى)، ومن هنا كانت ضغوطه على السفير السوفيتى للحصول على مزيد من السلاح، وبمجرد تحقيق اتفاق فض الاشتباك الأول، قطع السادات العلاقات مع السوفيت!!
قبل أن نسترسل نؤكد أن عملية السلاح هى جوهر أى حديث عن دور مصر الاستراتيجى، والعجيب أن جهابذة الأمن القومى ما يزالون من عام 1974 حتى 2014 يتحدثون عن دور مصر، وبعضهم فى الأزمات يجاهر أن أمريكا هى المشكلة، كما حدث بعد انقلاب السيسى وحتى الآن مع أن الجيش المصرى تسليحًا وتدريبًا وصيانة وتصنيعًا وتعلمًا وذخيرة أمريكى بنسبة كبيرة، وبالتالى فإن كل آلاف الصفحات والبرامج حول الأمن القومى المصرى ودور مصر الخطير فى المنطقة هو كلام من قبيل التهريج، وخداع للنفس وللناس.
شرطى المنطقة:
كما ذكرت من قبل فإن السادات كان متلهفًا للحصول على سيناء بأى ثمن حتى أنه قال للمبعوث الأمريكى "أثرتون" فى 30 يوليو 1978 أى قبل كامب ديفيد: (إن مصر مستعدة لإعطاء إسرائيل أى شىء تحت الشمس ما عدا الأرض والسيادة، بل أنه مستعد أن يعطيهم المياه لرى النقب مقابل الانسحاب من مستوطنات الضفة الغربية)، وإنه مستعد لتسوية تضمن أمن إسرائيل وعمل كل ما هو مطلوب فى مجال تطبيع العلاقات أو الحدود المفتوحة). ولكن فى كامب ديفيد تخلى حتى السيادة الكاملة فى سيناء، وفى كامب ديفيد فاجأ السادات فريق مفاوضيه كما ورد فى مذكرات محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية ساعتئذ بالقول: (سأوقع على أى شىء يقترحه الرئيس الأمريكى كارتر دون أن أقرأه)!! وهذا كلام لا يقوله رجل دولة أو رجل وطنى, على أى حال كانت اللهفة التى قد يفهمها البعض فى مسألة الرغبة فى استعادة سيناء، كانت متلازمة مع لهفة أخرى وهى عرض دور الشرطى فى المنطقة لصالح أمريكا بديلا عن نظام "الشاه" الذى كان قد سقط لتوه. ربما كان السادات يريد التغطية على الانسحاب النهائى من الصراع مع إسرائيل ومن قضية القدس، إلى صراع عالمى عريض يبدو مبدأيا ضد الشيوعية وهو أمر مزرى ومروع بالمعايير الوطنية والإسلامية ومفاهيم "الأمن القومى" إياه الذى تحول إلى كلمة بذيئة, وكلما أردت أن تقوم بعمل شىء محرم وتخرس من أمامك تقول: (هذه قضية أمن قومى)، حتى أصبح مد الغاز لإسرائيل مجانا قضية أمن قومى كما قال عمر سليمان (رضى الله عنه)!! والذى ما يزال يتم تلميعه فى إعلام المخابرات، وكانت لهفة السادات أسرع مما يتخيل أحد، ففى أول لقاء مع كيسنجر حين جاء بمشروع جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل لفض الاشتباك من 6 نقاط، فقال له السادات أنا موافق عليه بدون أن أقرأه، ولكن دعنا نتحدث فى مواجهة الخطر الشيوعى على العالم، وذهب يشرح وجهة نظره على خريطة!!
كانت إيران الشاه هى محور الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة التى تحتوى على أكبر خزان نفطى فى العالم عقب انسحاب بريطانيا من الخليج عام 1971. ووصل الأمر إلى مباحثات بين نيكسون الرئيس الأمريكى وكيسنجر مع الشاه لوضع خطط طوارئ لتدخل إيرانى فى السعودية فى حالة سقوط النظام (أثرتون). وبدأ شاه إيران يلعب فعلاً دور الشرطى الإقليمى، وحصل على عتاد عسكرى بـ 20 مليار دولار بأسعار ذلك الزمان، أى ربع المبيعات العسكرية الأمريكية فى الفترة من 1970 - 1978، ولولا انهيار نظام الشاه لما تحمست أمريكا للضغط على إسرائيل لإعادة سيناء لمصر. فقد أرادت أمريكا إحداث توازن إقليمى بكسب مصر مقابل ضياع إيران. ولكن ليس بإعطاء مصر "كارت بلانش" لتكون شرطى المنطقة، كما كان الحال مع الشاه الذى تدخل بالفعل لقمع ثورة "ظفار" المسلحة فى سلطنة عمان، وسنرى كيف أخذت أمريكا مصر لحمًا وتركتها عظمًا، فمن أحلام السادات ليكون شرطيا فى المنطقة بدرجة جنرال، بل كان يتصور أن يمتد غربا حتى المغرب!!
من هذه الأحلام تحولت مصر فى عهدى مبارك والسيسى إلى مجرد شرطى برتبة "شاويش" لحراسة الشعب المصرى وغزة فحسب، وما بين عامى 1989 و1991 حيث تداعت الشيوعية سقطت حجة الأرتماء فى أحضان أمريكا بدعاوى مبدأية مزعومة فتحولنا إلى بلطجى صغير مأجور يعذب الإسلاميين لحساب أمريكا!
تحريض أمريكى ضد ليبيا:
كان السادات متلهفا كما ذكرنا على أى نوع من التسليح، وحدث اتفاق مبكر عام 1974 أن تشترى السعودية أسلحة من أمريكا لحساب مصر بعلم الإدارة الأمريكية بدعوى عدم استفزاز اللوبى الصهيونى والكونجرس. ولكن أمريكا كانت تجند السادات وغير متعجلة، وتسوى الزبون على نار هادية، واستجابت سريعا لأمر واحد، هو توفير الحماية للسادات، واكتشاف التنصت السوفيتى عليه!! وقد أشرت لذلك من قبل فى هذه الدراسة وفى إحدى مقالاتى لأكررها للمرة الثالثة لخطورته فى فهم طبيعة العلاقات الناشئة مع أمريكا، لقد بدأت بأن أصبح القصر الرئاسى فى قبضة أمريكا، وهذا ما ورد فى الوثائق الأمريكية المفرج عنها.
1 مايو 1974 فى لقاء كيسنجر مع السادات باستراحة المعمورة طرح أشرف مروان مستشار السادات ضرورة توفير معدات كشف التجسس لمكتب الرئيس السادات، وقدم قائمة بالمعدات المطلوبة بدقة لمنع التنصت على مكالمات الرئاسة، والتقاط الحوارات التى تجرى داخل مكاتب وغرف الرئاسة المصرية، واستجاب كيسنجر فورا، وأكد أن الرئاسة المصرية ستتسلم أول شحناتها بعد 5 أيام، أى صباح 6 مايو 1974، وكان اللقاء التالى يوم 4 مايو أى بعد 3 أيام، وأكد كيسنجر للسادات ألا يقلق على أمنه الشخصى، وأن الولايات المتحدة ستسلم أشرف مروان المعدات التى طلبها لحماية الرئاسة والرئيس من التنصت عليه وعلى مكالماته الشخصية.
ووصلت بالفعل المساعدة اللوجستية إلى أشرف مروان، وحصل مكتب الرئاسة المصرية على خبرات فنية من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (دورات إعداد) وطبعًا من يقدم أجهزة منع التنصت يمكن أن يضع أجهزته الخاصة ليتصنت هو بنفسه!!
أما ما يتعلق بالأسلحة فكانت المسألة قطرة قطرة وفقًا للحسابات والمصالح الأمريكية الإسرائيلية، فبدأ الموضوع بتزويد مصر بالطائرات العمودية دى سى 9 لتطهير قناة السويس من الألغام من مخلفات الحرب. وكان كيسنجر قد اتفق مع جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل (وهما يهوديان!!) أن فتح قناة السويس مهم جدًا لأنه سينهى فكرة الحرب من ذهن السادات. كما اتفقا على ضرورة إبعاد السادات تمامًا عن السوفيت، ولذلك ففى لقاء 1/5/1974 حمل كيسنجر معه قائمة بأنواع الأسلحة حتى يختار السادات ما يريد!! (وكأنها منيو أطعمة فى أحد المطاعم).
وهو ما أراح أعصاب السادات، ولكن الاجتماع تناول فى لحظة أخرى تحذيرًا أمريكيًّا من القذافى؛ بهدف دفع وإثارة واستفزاز السادات بمعلومات عن أطماع ليبية ونوايا عسكرية مبيتة، وسيستمر هذا الضغط وسيؤدى فى النهاية إلى ضربة عسكرية مصرية لليبيا عبر الحدود 1977.
كانت الرسالة أن هذه الأسلحة وأخذها لمثل هذه المهام الجديدة: ضرب ليبيا، وكانت ليبيا فى علاقة وثيقة مع الاتحاد السوفيتى فى ذلك الوقت.
وفى 2 يونيو 1975 خلال لقاء السادات مع الرئيس الأمريكى فورد وكيسنجر عاد الأخير ليطمئن السادات ويتعهد بحمايته شخصيًّا، وأن واشنطن ستقف بقوة بجانب الرئيس السادات (فى مواجهة أى تهديدات سوفيتية)، فيما بعد واصلت إسرائيل أسلوب الاحتواء هذا؛ حيث أكد الرئيس الإسرائيلى عيزر وايزمان أن إسرائيل اكتشفت محاولة لاغتيال السادات وسارعت بإبلاغه، فألغى السادات زيارته للنمسا فى 10 أغسطس 1981.
وفى اليوم السابق 1/6/1975 ربط السادات فى حديثه بين طلب السلاح الأمريكى ونواياه فى الهجوم على ليبيا، وكأنه يؤكد أنه تلقى الطعم الذى وضعه كيسنجر فى لقاء 1/5/1974، ووعد كيسنجر - ويبدو أنه كان أكثر أهمية من فورد!! - السادات يومها أن واشنطن ستساند مصر فى أى عمل تقوم به ضد ليبيا!! فعاد السادات يطلب السلاح الأمريكى من فورد وقال له: (سنكون محبطين للغاية لو لم تساعد الولايات المتحدة مصر عسكريًّا بعد ما قامت به من خطوات من أجل السلام)!! (هذه اللقاءات كانت فى سالزبورج بالنمسا).
لم يكن السادات وحده:
تلهف السادات أثناء حرب أكتوبر على إنهاء الصراع مع إسرائيل للأبد والارتماء فى أحضان أمريكا بدأ يوم 9 أكتوبر 1973 وهذا شىء غير محتمل أثناء الحرب، وقوة الاندفاع هذه ظلت مستمرة حتى كامب ديفيد، أثناء الحرب وصلت الرسائل المتبادلة بين السادات ونيكسون إلى 15 رسالة، بالإضافة لـ 20 رسالة بين حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومى وهنرى كيسنجر، وبعد 48 ساعة من اندلاع القتال كانت إحدى رسائلنا تقول أن مصر (لا تسعى لتوسيع إطار المواجهة أو تعميقها) وهذه أول مرة يبلغ محارب عدوه بكامل نواياه فى بداية الحرب، وهذا ما أعطى إسرائيل الوقت المستريح للإجهاز على سوريا ثم العودة للجبهة المصرية بكامل قوتها لتحدث الثغرة. ولست فى وارد تقييم شخصية حافظ إسماعيل، ولكنه كان جزءًا من حالة السادات، وكانت حالة السادات تزحف بدرجات متفاوتة على الطاقم القيادى العسكرى والمدنى، أى ضرورة إنهاء الصراع والاعتراف بإسرائيل. حتى أن وثيقة أمريكية تم الكشف عنها فى عام 2001 تضمنت أن حافظ إسماعيل أوضح لكيسنجر فى إطار حديث ثنائى لم يشارك فيه أحد من الجانبيين على هامش لقاء فى باريس، أوضح استعداد مصر للتوقيع على أى اتفاق سلام طبقًا للمفهوم الأمريكى الذى طرح فى اجتماع باريس..!! والمفهوم الأمريكى كان دائمًا كما هو حتى الآن ممائلاً لإسرائيل. وكان هذا قبل حرب أكتوبر!! أما أثناء حرب أكتوبر ويوم 9 أكتوبر فى عزة نشوة انتصار العبور قال حافظ إسماعيل (لأبى الغيط) الذى كان سكرتيرًا لديه أنه (يستطيع أن يلتقى وفورًا أى مسؤول إسرائيلى وبالتحديد "إيجال ألون" صاحب فكرة التسوية مع العرب، وفى أى مكان إذ أن الجيش ضربهم وكشف حدود إمكاناتهم)!!
وهكذا كنا أمام طبقة حاكمة فقدت القدرة على المتابعة، وتريد أن تنهى أسطورة العداء لإسرائيل مستظلة بالعبور الناجح الذى اعتمد أساسًا على النجاح التاريخى فى المباغتة، وهو السبب الأساسى للعبور بهذه الخسائر المحدودة.
هذه الطبقة مزيج من بقايا ثورة يوليو بالإضافة لمن التحم بهم من صفوف جديدة من العسكريين والمدنيين. هذه الطبقة ماتت فى كامب ديفيد، ولكن تزعم الآن أنها خرجت من القبور وتحكمنا باسم السيسى، والإخوان مسؤولون عن هذا الوضع لأنهم عملوا ووصلوا للحكم فى إطار "شرعية كامب ديفيد"، وطالما هى كامب ديفيد، فالسيسى وأقرانه يرون أنهم أولى بها!!
أمريكا لا تستأمن مصر على البترول:
بعد سقوط الشاه، كان لابد لأمريكا أن تأتى بنفسها لحماية أكبر خزان نفطى فى العالم، منطقة الخليج العربى خاصة السعودية، فرغم أن مصر بدخولها العسكر الأمريكى عدلت الموازين فى المنطقة، لكن مصر لا تؤتمن على النفط الخليجى ولا صدام ولا إيران الثورة، والسعودية ضعيفة إزاء أى خطر خارجى بالإضافة لاحتمالات التغيير من الداخل، لذلك قالها الرئيس الأمريكى رونالد ريجان: (لن نسمح للسعودية بأن تكون إيران أخرى).
وقبله أعلن جيمى كارتر مبدأ التدخل السريع فى حالة تعرض الخليج لأى تهديدات يؤثر على إمدادات النفط. وتم تأسيس قوة مشتركة للانتشار السريع ومركزها فى تامبت على أن تنتشر عند اللزوم، وارتبط ذلك بالحصول على تسهيلات جديدة فى عُمان وكينيا والصومال وجزيرة (ييجو جارسيا) فى المحيط الهندى. وصار ريجان على نفس التوجه بطبيعة الحال.
مصر كانت عضوًا تحت التمرين والتدريب، ثم ظلت كذلك لأنها مشروع قائد للمنطقة بغض النظر عن السادات أو مبارك لأنهما سيرحلان، فكيف تضع الخزان النفطى تحت يد مشروع قائد للعرب. كان دور مصر ولا يزال دورًا لوجستيًّا فى هذا المنظومة بالإضافة لتقديم الغطاء السياسى الشرعى لأى تحرك أمريكى، وقد اقتبست من قبل أقوال أبو غزالة الذى تحدث بوضوح عن دور مصر فى حماية طرق إمدادات البترول!! وأن هذا هو أساس تحالفنا مع أمريكا والغرب. أى مجرد خدم؟ وكان لمصر دور لوجيستى فى أفغانستان لمواجهة السوفيت، بإرسال أسلحة سوفيتية للمجاهدين وإرسال متطوعين، بالإضافة للغطاء الإعلامى، وكذلك ذهبت عناصر مخابراتية مصرية مع المتطوعين، وهذا وضع أساس الاختراق المصرى للمجاهدين عندما تحولوا لضرب أمريكا وعملائها. واستخدمت قوات مصرية كرديف سياسى (ستيد) للقوات الأمريكية فى الصومال.
فى أواخر 1993 دعيت كرئيس تحرير لجريدة الشعب لتغطية رحلة مبارك للولايات المتحدة، بعد أن كنت مطلوبًا للتحقيق بسبب حملة الجريدة على مبارك بمناسبة الاستفتاء، ويبدو كانت محاولة لتبريد الأجواء بيننا وبين الحكم، المهم كان ذلك فى عهد كلينتون وكان عالقًا فى الصومال. وكانت من أهم "إنجازات" هذه الزيارة الميمونة أن أمريكا طلبت عونًا عسكريًّا مصريًّا كغطاء لحملة "الأمل" الإنسانية المزعومة فى الصومال. وفى المركز الصحفى داخل فندق ماديسون، كان رؤساء التحرير الحكوميون فى حالة من النشوة؛ لأن أمريكا لا تستغنى عن مصر، وبذلك لن يتم تخفيض المعونة!! ولم أناقشهم ولكن قلت رأيى فى "الشعب".
المهم لقد هزمت أمريكا فى الصومال وخرجت تجر أذيال الخيبة والعار كما بشرت فى عدة مقالات قبل حدوثه، وخرجت القوات المصرية معها. هذه التبعية المصرية لأمريكا هى التى جعلتنا بلا وزن فى المنطقة، حتى فى الصومال التى كانت جزءًا لا يتجزأ من مصر من أيام حتشبسوت حيث كان حكام بونت يأتون لأداء قسم الولاء لحكام مصر!! والآن أصبحنا مجرد "خدامين" للأمريكان.
وبعد أن كنا نتحكم فى باب المندب مع اليمن أصبح باب المندب تحت النفوذ الإسرائيلى القريب فى أريتريا وقواعد الغرب فى جيبوتى، وأصبحت مصر مجرد ضيف فى البحر الأحمر!!
أما فيما يتعلق بالنفط فقد أصبح دور مصر تقديم تسهيلات عسكرية جوية وبرية وبحرية للجيش الأمريكى، وبدأ هذا مبكرًا إذ خرجت طائرات أمريكية حربية من أحد مطارات الصعيد فى محاولة لتحرير الرهائن الدبلوماسيين فى طهران، وفشلت الحملة فى صحراء نوباز الإيرانية؛ حيث تصادمت الطائرات مع بعضها البعض، كما قدمت مصر المرور السريع للقوات الأمريكية عبر قناة السويس، فأصبحنا مجرد ممر، وهذا ما قاله وزير الدفاع الأمريكى هارولد براون (بدون المساعدة المصرية فإن الولايات المتحدة ستواجه عقبات فى استخدام القوة العسكرية فى المناطق الحيوية البعيدة عن الولايات المتحدة).
وقد ظهر هذا فى حربى العراق وأفغانستان؛ حيث سمحت مصر للطائرات الأمريكية بالتحليق فوق أراضيها بمعدل 20 إذنًا يوميًّا للطيران فى عام 2005 رغم هدوء القتال نسبيًّا فى الجبهتين، وقدمت مصر معلومات استخباراتية لواشنطن، أى أصبحت مجرد مخبر. إلا أن أمريكا حرصت على عدم استخدام القوات المصرية فى أى عمليات قتالية حقيقية عدا ما يسمى حرب تحرير الكويت، وكانت مشاركة مصر بهدف الغطاء السياسى لتأكيد غياب دوافع استعمارية، ولم تخض القوات المصرية حربا حقيقية. بل أجبرت على الانسحاب من الكويت (بعد إخراج القوات العراقية) عن طريق سوء المعاملة. وبقيت القوات الأمريكية حتى الآن !! (نواصل بإذن الله).
* عبد الناصر طلب سلاحًا من أمريكا فأرسلت له مجموعة مسدسات!
* أمريكا تولت أمن الرئاسة المصرية منذ مايو 1974!!
وصلنا فى الفصل السابق إلى محورية مسألة البحث العلمى؛ وضرورة اقتحام مجال العلم والتكنولوجيا بروح استقلالى، وليس بروح الطفل الذى يريد لأحد أن يصنع الأكل فى فمه، وربطنا ذلك بالتنمية الاقتصادية والتصنيع الحربى على السواء كعملية واحدة.
وقبل أن نترك مسألة التصنيع الحربى نؤكد ضرورته للأمن القومى فى بلد له موقع مصر وجيرانها (إسرائيل)، وأن التصنيع الحربى ليس مراعاة للخوف من تبديد الموارد، بل هو نفسه يتحول إلى مورد مهم بالتصدير (السلاح من أهم صادرات إسرائيل وإيران وروسيا والصين) والمعرفة التكنولوجية فى التصنيع الحربى تصب فى التصنيع المدنى الوطنى.. وأرى أهمية دراسة تجربتى باكستان وإيران فى التصنيع الحربى التقليدى باعتبار أنهما من البلاد المتماثلة لظروفنا (خاصة إيران)، فباكستان لم تكتف بالقنبلة النووية؛ بل دخلت فى مرحلة تصنيع مختلف أنواع الصواريخ، وكذلك أنواع محددة من الطائرات الحربية وغير ذلك، أما إيران فبعد المحنة التى مرت بها فى الحرب مع العراق، أقصد المحنة التسليحية؛ حيث كان الجيش بتسليح أمريكى ولكن بدون ذخيرة أو صيانة أو استعواض؛ بسبب انقطاع العلاقات مع أمريكا فاتخذت قرارًا استراتيجيًّا بتحقيق الاكتفاء الذاتى فى مختلف أنواع الأسلحة، ويبدو أنها حققت ذلك إلى حد كبير وبكفاءة تكنولوجية مشهودة من المتخصصين الدوليين كالخبراء العسكريين الروس. فهى تنتج مختلف أنواع الصواريخ وأسلحة الدفاع الجوى، والطائرات والدبابات والمدرعات والغواصات الصغيرة والقطع البحرية. وقد زودت المقاومة اللبنانية والفلسطينية بالصواريخ أو بتقنية صناعة الصواريخ، ووصلت إلى الاكتفاء الذاتى فى شكل كامل فى مجالات إنتاج المعدات والقدرات الرادارية وأجهزة الرصد فى السماء إلى أبعد نقطة مع القدرة على إسقاط الأهداف، وهو ما حدث مع بعض طائرات إسرائيل التجسسية بدون طيار، والتى أسقطت على الأرض الإيرانية.
كما وصلت إلى مرحلة الاكتفاء الذاتى فى مجال إنتاج الطائرات بدون طيار، وتقوم بتصدير تقنية صناعة الطائرات من دون طيار إلى سائر البلدان.
ملاحظة للشعب: نشير إلى أن إيران قد أطلقت القمر الصناعى (فجر) وهو القمر الرابع لها بواسطة الصاروخ الإيرانى الصنع "سفير فجر" ذلك يوم 2 فبراير الجارى 2015، واستلمت القواعد الأرضية الصور التى أرسلها، والقمر "فجر" يزن 50 كيلو جرامًا يعمل على الرصد والتقاط الصور، وإرسالها إلى القاعدة الأرضية فهو يصنع فى مؤسسة التصنيع العسكرى. وكانت أول تجربة عام 2009 ثم أرسلت طهران أول كائن حى إلى الفضاء عام 2013، والثانى عام 2014. و"فجر" ثمرة إيرانية 100%، نتاج جهود علماء إيران والمتخصصين فى شركة الصناعات الإلكترونية الإيرانية وبقية الشركات والمراكز البحثية والعلمية والجامعية فى إيران. وكان مجدى حسين قد دعا لذلك فى الحلقة السابقة أى تصنيع قمر صناعى مصرى 100%، ومع ذلك فقد أعرب عن تقديره للقمر الصناعى المصرى المنتج فى روسيا على أساس أن تكون إدارته مصرية 100% وخطوة على طريق التصنيع المصرى. (الشعب).
نواصل مع مجدى حسين:
والرأى العام فى بلادنا - بسبب الإعلام وانهيار القيادة - يقول: "وإحنا مالنا ومال الحكاية دى يا عم" إحنا "عاوزين ناكل عيش".. و"تعبنا من الحروب".. وهذه عقدة هذه الدراسة من أولها إلى آخرها، فنحن نخرج بهذا الموقف صراحة على أوامر الله ونعصاه. أشرنا لآية "وأعدوا" ونضيف الآن قاموسًا إلهيًّا آخر لا يحتمل التأويل أو التفسير إلا بمعنى واحد.. أن نكون دائمًا مستعدين للحرب لأن هذه هى سنة الله فى الأرض: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة: 216).
وهذه الدراسة تقدم مذكرات تفسيرية طويلة، وبالتالى فهى أوسع من مجرد تفسير لبعض آيات القرآن الكريم، بل هى حشد للوقائع المحلية والإقليمية العالمية وتحليلها لإدراك أهمية الالتزام بهذه النصوص.
(وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم) لم تكتشفوا بعد شرور، سلام كامب ديفيد، وهل تريدون مصائب أكثر من هذا؟! إذن انتظروا المزيد من المصائب!
لقد تناولت فى دراسة (السيرة النبوية) مسألة مركزية مصر فى العالم وفقًا للقرآن الكريم، والآن أذكر فقط بأن مصر ذكرت الاسم 4 مرات، وأن مكة والمدينة ذكرتا معًا بالاسم (4 مرات)، وأن مصر هى البلد الوحيد (البلد وليس المدينة أو القبيلة) فى العالم وورد ذكرها فى القرآن التى يستخدم اسمها حتى الآن، وسيناء ذكرت بالاسم 2 مرة = 2 مكة = 2 المدينة. وهناك نبى واحد ذكر اسمه 4 مرات مثل مصر هو أيوب!! فاستعدوا دومًا للصبر. والأهم أن سيدنا محمد ذكر اسمه بـ"محمد" 4 مرات، ولكن كسر ذلك أنه ذكر مرة خامسة بالاسم "أحمد"، ولكن يبقى فى النهاية بالحرفية (مصر 4 - محمد 4 - مكة والمدينة 4 - أيوب 4)، طبعًا مكة ذكرت مرة بـ "بكة" ولكنها طريقة مختلفة فى النطق. أحسب أن هذا المثال الرقمى له أهمية رمزية.
وتاريخ العالم يؤكد دور مصر المركزى، وهذا "إعجاز سياسى أو استراتيجى أو جغرافى سياسى" - سمه كما شئتَ فى القرآن الكريم، ولكن نخبة مصر تتحدث فى أى شىء إلا هذا الموضوع، وإذا تحدثت هى والإعلام يأخذ الموضوع شكلاً مبتذلاً فى عظمة مصر وعزها، وهذا كلام أصبح يثير السخرية ونحن أكبر شحاذ فى المنطقة. أحسب أن لا أحد يفوقنى فى حب مصر، فقد رضعت هذا الحب فى بيت أحمد حسين وعشت فى مدرسة متوازنة لا ترى أى تضاد بين الدين والوطنية، وحب الإسلام وحب مصر. مع أن الإسلام هو الإطار الأرحب الذى يحتوى مصر وغيرها.
ولكننى تعلمت أيضًا فى هذه المدرسة، ومن دراساتى أن حب مصر يصبح أمرًا مبتذلاً إذا تحول إلى حديث سطحى عن 7 آلاف سنة حضارة، والحقيقة أنها 14 ألف سنة، بل ربما ملايين السنين (عُثر على هياكل عظمية فى مصر عمرها مليون سنة)!! حديث سطحى فى أغلب الأحيان، وبكاء على الحضارة الضائعة فى أحيان قليلة، مع التوقف الفعلى عن مواكبة الحضارة، والتوقف عن بذل أقصى الجهد لبناء البلد وإعزاز الشعب وإشراكه فى هذا البناء، والتوقف عن إدراك دور مصر القيادى والريادى. بعيدًا عن حكاية إعلام الريادة (بتاعة صفوت الشريف) حيث أصبح لنا عشرات القنوات الفاشلة كجثث معذبة تحت أقدام قناة واحدة (الجزيرة) رغم خلافى المعروف والمعلن معها، إلا إننى اعترفت دائمًا بمهنيتها العالية. ولذلك صدق من سخر بشكل قاسٍ من صفوت الشريف وقال (بل إعلام الريالة).
إن هؤلاء الذين يعبدون كرسى الحكم ويعبدون أى تافه يجلس عليه، ومن باب أولى يعبدون أمريكا هؤلاء عبء ثقيل على مصر، ولا أدعو إلى إزالتهم من الوجود، ولكن لابد أن يزاحوا من المشهد السياسى والإعلامى باعتبارهم نفايات، صحيح صفوت الشريف مختف فى منزله, ولكنه أطلق علينا الجيل الذى رباه قوادون.. كاذبون.. منافقون.. فاقدون للحياء.. وبالأخص عندما يمثلون "حب مصر وعشقها" وأياديهم فى جيوبهم تتحسس الدولارات الإماراتية.
كان لابد أن أضع حاجزًا قاطعًا وثقيلا بين حديثى الدائم عن دور مصر وبين هذا الغثاء الإعلامى.
أكرر أن نهضة مصر ارتبطت بقوتها بما فى ذلك القوة العسكرية، وارتبطت بقيادتها للمنطقة، وبالتالى فإن من يبحثون عن الرفاه الاجتماعى أقول لهم إنه ارتبط دائمًا بالقوة خاصة فى حالة مصر (راجعوا موسوعة تاريخ مصر لأحمد حسين) وإذا توقفت عند القرنين الماضيين فقط، فإن إنجلترا هزمت فرنسا وأصبحت هى القوة الأعلى فى العالم عندما سيطرت على مصر، وبدأ الميزان يميل لصالح الاتحاد السوفيتى عالميًّا عندما تحالف مع مصر، وأن أمريكا عندما أصبحت القوة الأولى المنفردة فى العالم كانت مصر فى حوزتها.. وعندما هزم "روميل" الألمانى فى معركة العلمين كانت هذه هى بداية نهاية ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية، وفى المقابل كانت مصر قائدة الإقليم وأحد وأبرز قوى العالم فى عهدين: محمد على وعبد الناصر، وتميزا بالاهتمام بالتصنيع الحربى الوطنى، وتميزا بالتقدم الاقتصادى، وإن كانت تجربة محمد على أكثر ثراء. (راجع كتابى.. مدونات ثورية) ورغم ملاحظتنا الانتقادية للتجربتين، وأننا لا نريد استرجاعهما فى جوانبهما المظلمة، فلابد من الإشارة إلى أنهما ضربتا بالتكالب العالمى العسكرى وبالإغراق فى الديون. مع ملاحظة أن الإغراق فى الديون تم بعد موت مؤسس التجربة فى الحالتين، فقد كان محمد على وعبد الناصر حذرين من الديون. ولكن فعل ذلك سعيد وإسماعيل ثم السادات ومبارك ومرسى والسيسى.
إذن مصر بحكم موقعها حتى قبل قناة السويس، وموضعها بين العرب والمسلمين ومكانتها الحضارية لا يمكن للصراع العالمى أن يتجاهلها. وبالتالى فمصر دائمًا أمام خيارين فى منتهى الحيرة بدون وسط: إما أن تكون عبدًا لقوة عظمى، أو تكون قائدة المنطقة. وأى إنسان مصرى حر أو مسلم يعرف عقيدته لابد أن يختار الخيار الثانى مهما كانت تكاليفه. وتكاليف العزة أقل بكثير من تكاليف العبودية؛ ليس فقط على الجانب الروحى والمعنوى وهو الأساسى، ولكن حتى بحسابات المكسب والخسارة بالمعايير المادية.
التسليح بين عبد الناصر والسادات:
انكسر عبد الناصر فى المجال العسكرى.. بعد أن حقق نجاحات معقولة جدًا فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية.. العمود الفقرى لقيادة مصر للعرب والمسلمين هو القوة العسكرية، وهى أساسًا للدفاع والهيبة والمكانة وليست للاستخدام اليومى، ولكن عبد الناصر كان فى دخيلة نفسه ينتوى تأجيل المواجهة مع إسرائيل إلى أجل غير مسمى، وقد بعث بهذه الرسائل لإسرائيل فازداد قلقها، فهى رأت أنه يريد أن يقوى اقتصاديًّا ثم يفكر فى ضربها، فرأت أن تقتل التجربة فى المهد.
فى السلاح كان ما يشغل عبد الناصر إرضاء الجيش المصرى الذى يتذمر كأى جيش يجد تسليحه ضعيفًا كمسألة كرامة وكمسألة مهنية، وليس فى إطار خطة استراتيجية لبناء جيش قوى وقادر، وفى إطار سعيه للحصول على سلاح من الولايات المتحدة حصل بالفعل على صفقة مضحكة (مسدسات)! فى تلك الفترة ذكر عبد الناصر فى حديث للصحفى الأمريكى "سيروس سالزبرجر" فى عام 1955 (إن الجيش عامل أساسى فى الحياة المصرية. كان نقص العتاد العسكرى هو ما حفزنا على القيام بالثورة. لو شعر الضباط بأنه لا توجد لديهم معدات فسيفقدون الإيمان بالحكومة).
الاعتداء المهين للجيش الإسرائيلى على معسكر الجيش المصرى فى غزة مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات أجبر عبد الناصر على التفكير الجدى فى التسليح بصفقة الأسلحة التشيكية، ولكن اهتمامه بالجيش ظل معيبًا بصورة مروعة، وظل يتركه فى يد غير أمينة (عبد الحكيم عامر) لمجرد ثقته الشخصية فيه، فهُزمنا عسكريًّا فى 1956 وظهر ضعفنا العسكرى، وفى اليمن تعرض الجيش لأوضاع محرجة عديدة، ثم هزيمة 1967 التى لا مثيل لها فى التاريخ. وعندما وقع السادات معاهدة السلام مع إسرائيل اعتبر أن الحرب قد انتهت تمامًا معها، وكان متلهفًا للسلاح الأمريكى الذى لم يفيدنا فى أى مواجهة مقبلة مع إسرائيل.
كان السادات حريصًا - كعبد الناصر عام 1955 - على مجرد إرضاء المؤسسة العسكرية المصرية بعد انقطاع السلاح السوفيتى. بل لقد تعامل السادات مع السوفيت فى تلك المرحلة بأسلوب انتهازى، لا أخلاقى، لا يليق بالمسلمين بشهادة العرب!! فمنذ التفاوض مع كيسنجر لفض الاشتباك الأول كان حريصًا على الضغط على السوفيت للحصول على المزيد من السلاح لمجرد مساومة أمريكا وإسرائيل، وهذا ما يعترف به أبو الغيط (وزير الخارجية السابق) بدون أى وخز ضمير: (إن السادات رغم انفتاحه الكامل وتوجهه المطلق فى التحرك على المسار الأمريكى الواعد كان يعى أن عناصر القوة المصرية المسلحة هى الأساس لتطويع الموقف الأمريكى والإسرائيلى)، ومن هنا كانت ضغوطه على السفير السوفيتى للحصول على مزيد من السلاح، وبمجرد تحقيق اتفاق فض الاشتباك الأول، قطع السادات العلاقات مع السوفيت!!
قبل أن نسترسل نؤكد أن عملية السلاح هى جوهر أى حديث عن دور مصر الاستراتيجى، والعجيب أن جهابذة الأمن القومى ما يزالون من عام 1974 حتى 2014 يتحدثون عن دور مصر، وبعضهم فى الأزمات يجاهر أن أمريكا هى المشكلة، كما حدث بعد انقلاب السيسى وحتى الآن مع أن الجيش المصرى تسليحًا وتدريبًا وصيانة وتصنيعًا وتعلمًا وذخيرة أمريكى بنسبة كبيرة، وبالتالى فإن كل آلاف الصفحات والبرامج حول الأمن القومى المصرى ودور مصر الخطير فى المنطقة هو كلام من قبيل التهريج، وخداع للنفس وللناس.
شرطى المنطقة:
كما ذكرت من قبل فإن السادات كان متلهفًا للحصول على سيناء بأى ثمن حتى أنه قال للمبعوث الأمريكى "أثرتون" فى 30 يوليو 1978 أى قبل كامب ديفيد: (إن مصر مستعدة لإعطاء إسرائيل أى شىء تحت الشمس ما عدا الأرض والسيادة، بل أنه مستعد أن يعطيهم المياه لرى النقب مقابل الانسحاب من مستوطنات الضفة الغربية)، وإنه مستعد لتسوية تضمن أمن إسرائيل وعمل كل ما هو مطلوب فى مجال تطبيع العلاقات أو الحدود المفتوحة). ولكن فى كامب ديفيد تخلى حتى السيادة الكاملة فى سيناء، وفى كامب ديفيد فاجأ السادات فريق مفاوضيه كما ورد فى مذكرات محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية ساعتئذ بالقول: (سأوقع على أى شىء يقترحه الرئيس الأمريكى كارتر دون أن أقرأه)!! وهذا كلام لا يقوله رجل دولة أو رجل وطنى, على أى حال كانت اللهفة التى قد يفهمها البعض فى مسألة الرغبة فى استعادة سيناء، كانت متلازمة مع لهفة أخرى وهى عرض دور الشرطى فى المنطقة لصالح أمريكا بديلا عن نظام "الشاه" الذى كان قد سقط لتوه. ربما كان السادات يريد التغطية على الانسحاب النهائى من الصراع مع إسرائيل ومن قضية القدس، إلى صراع عالمى عريض يبدو مبدأيا ضد الشيوعية وهو أمر مزرى ومروع بالمعايير الوطنية والإسلامية ومفاهيم "الأمن القومى" إياه الذى تحول إلى كلمة بذيئة, وكلما أردت أن تقوم بعمل شىء محرم وتخرس من أمامك تقول: (هذه قضية أمن قومى)، حتى أصبح مد الغاز لإسرائيل مجانا قضية أمن قومى كما قال عمر سليمان (رضى الله عنه)!! والذى ما يزال يتم تلميعه فى إعلام المخابرات، وكانت لهفة السادات أسرع مما يتخيل أحد، ففى أول لقاء مع كيسنجر حين جاء بمشروع جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل لفض الاشتباك من 6 نقاط، فقال له السادات أنا موافق عليه بدون أن أقرأه، ولكن دعنا نتحدث فى مواجهة الخطر الشيوعى على العالم، وذهب يشرح وجهة نظره على خريطة!!
كانت إيران الشاه هى محور الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة التى تحتوى على أكبر خزان نفطى فى العالم عقب انسحاب بريطانيا من الخليج عام 1971. ووصل الأمر إلى مباحثات بين نيكسون الرئيس الأمريكى وكيسنجر مع الشاه لوضع خطط طوارئ لتدخل إيرانى فى السعودية فى حالة سقوط النظام (أثرتون). وبدأ شاه إيران يلعب فعلاً دور الشرطى الإقليمى، وحصل على عتاد عسكرى بـ 20 مليار دولار بأسعار ذلك الزمان، أى ربع المبيعات العسكرية الأمريكية فى الفترة من 1970 - 1978، ولولا انهيار نظام الشاه لما تحمست أمريكا للضغط على إسرائيل لإعادة سيناء لمصر. فقد أرادت أمريكا إحداث توازن إقليمى بكسب مصر مقابل ضياع إيران. ولكن ليس بإعطاء مصر "كارت بلانش" لتكون شرطى المنطقة، كما كان الحال مع الشاه الذى تدخل بالفعل لقمع ثورة "ظفار" المسلحة فى سلطنة عمان، وسنرى كيف أخذت أمريكا مصر لحمًا وتركتها عظمًا، فمن أحلام السادات ليكون شرطيا فى المنطقة بدرجة جنرال، بل كان يتصور أن يمتد غربا حتى المغرب!!
من هذه الأحلام تحولت مصر فى عهدى مبارك والسيسى إلى مجرد شرطى برتبة "شاويش" لحراسة الشعب المصرى وغزة فحسب، وما بين عامى 1989 و1991 حيث تداعت الشيوعية سقطت حجة الأرتماء فى أحضان أمريكا بدعاوى مبدأية مزعومة فتحولنا إلى بلطجى صغير مأجور يعذب الإسلاميين لحساب أمريكا!
تحريض أمريكى ضد ليبيا:
كان السادات متلهفا كما ذكرنا على أى نوع من التسليح، وحدث اتفاق مبكر عام 1974 أن تشترى السعودية أسلحة من أمريكا لحساب مصر بعلم الإدارة الأمريكية بدعوى عدم استفزاز اللوبى الصهيونى والكونجرس. ولكن أمريكا كانت تجند السادات وغير متعجلة، وتسوى الزبون على نار هادية، واستجابت سريعا لأمر واحد، هو توفير الحماية للسادات، واكتشاف التنصت السوفيتى عليه!! وقد أشرت لذلك من قبل فى هذه الدراسة وفى إحدى مقالاتى لأكررها للمرة الثالثة لخطورته فى فهم طبيعة العلاقات الناشئة مع أمريكا، لقد بدأت بأن أصبح القصر الرئاسى فى قبضة أمريكا، وهذا ما ورد فى الوثائق الأمريكية المفرج عنها.
1 مايو 1974 فى لقاء كيسنجر مع السادات باستراحة المعمورة طرح أشرف مروان مستشار السادات ضرورة توفير معدات كشف التجسس لمكتب الرئيس السادات، وقدم قائمة بالمعدات المطلوبة بدقة لمنع التنصت على مكالمات الرئاسة، والتقاط الحوارات التى تجرى داخل مكاتب وغرف الرئاسة المصرية، واستجاب كيسنجر فورا، وأكد أن الرئاسة المصرية ستتسلم أول شحناتها بعد 5 أيام، أى صباح 6 مايو 1974، وكان اللقاء التالى يوم 4 مايو أى بعد 3 أيام، وأكد كيسنجر للسادات ألا يقلق على أمنه الشخصى، وأن الولايات المتحدة ستسلم أشرف مروان المعدات التى طلبها لحماية الرئاسة والرئيس من التنصت عليه وعلى مكالماته الشخصية.
ووصلت بالفعل المساعدة اللوجستية إلى أشرف مروان، وحصل مكتب الرئاسة المصرية على خبرات فنية من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (دورات إعداد) وطبعًا من يقدم أجهزة منع التنصت يمكن أن يضع أجهزته الخاصة ليتصنت هو بنفسه!!
أما ما يتعلق بالأسلحة فكانت المسألة قطرة قطرة وفقًا للحسابات والمصالح الأمريكية الإسرائيلية، فبدأ الموضوع بتزويد مصر بالطائرات العمودية دى سى 9 لتطهير قناة السويس من الألغام من مخلفات الحرب. وكان كيسنجر قد اتفق مع جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل (وهما يهوديان!!) أن فتح قناة السويس مهم جدًا لأنه سينهى فكرة الحرب من ذهن السادات. كما اتفقا على ضرورة إبعاد السادات تمامًا عن السوفيت، ولذلك ففى لقاء 1/5/1974 حمل كيسنجر معه قائمة بأنواع الأسلحة حتى يختار السادات ما يريد!! (وكأنها منيو أطعمة فى أحد المطاعم).
وهو ما أراح أعصاب السادات، ولكن الاجتماع تناول فى لحظة أخرى تحذيرًا أمريكيًّا من القذافى؛ بهدف دفع وإثارة واستفزاز السادات بمعلومات عن أطماع ليبية ونوايا عسكرية مبيتة، وسيستمر هذا الضغط وسيؤدى فى النهاية إلى ضربة عسكرية مصرية لليبيا عبر الحدود 1977.
كانت الرسالة أن هذه الأسلحة وأخذها لمثل هذه المهام الجديدة: ضرب ليبيا، وكانت ليبيا فى علاقة وثيقة مع الاتحاد السوفيتى فى ذلك الوقت.
وفى 2 يونيو 1975 خلال لقاء السادات مع الرئيس الأمريكى فورد وكيسنجر عاد الأخير ليطمئن السادات ويتعهد بحمايته شخصيًّا، وأن واشنطن ستقف بقوة بجانب الرئيس السادات (فى مواجهة أى تهديدات سوفيتية)، فيما بعد واصلت إسرائيل أسلوب الاحتواء هذا؛ حيث أكد الرئيس الإسرائيلى عيزر وايزمان أن إسرائيل اكتشفت محاولة لاغتيال السادات وسارعت بإبلاغه، فألغى السادات زيارته للنمسا فى 10 أغسطس 1981.
وفى اليوم السابق 1/6/1975 ربط السادات فى حديثه بين طلب السلاح الأمريكى ونواياه فى الهجوم على ليبيا، وكأنه يؤكد أنه تلقى الطعم الذى وضعه كيسنجر فى لقاء 1/5/1974، ووعد كيسنجر - ويبدو أنه كان أكثر أهمية من فورد!! - السادات يومها أن واشنطن ستساند مصر فى أى عمل تقوم به ضد ليبيا!! فعاد السادات يطلب السلاح الأمريكى من فورد وقال له: (سنكون محبطين للغاية لو لم تساعد الولايات المتحدة مصر عسكريًّا بعد ما قامت به من خطوات من أجل السلام)!! (هذه اللقاءات كانت فى سالزبورج بالنمسا).
لم يكن السادات وحده:
تلهف السادات أثناء حرب أكتوبر على إنهاء الصراع مع إسرائيل للأبد والارتماء فى أحضان أمريكا بدأ يوم 9 أكتوبر 1973 وهذا شىء غير محتمل أثناء الحرب، وقوة الاندفاع هذه ظلت مستمرة حتى كامب ديفيد، أثناء الحرب وصلت الرسائل المتبادلة بين السادات ونيكسون إلى 15 رسالة، بالإضافة لـ 20 رسالة بين حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومى وهنرى كيسنجر، وبعد 48 ساعة من اندلاع القتال كانت إحدى رسائلنا تقول أن مصر (لا تسعى لتوسيع إطار المواجهة أو تعميقها) وهذه أول مرة يبلغ محارب عدوه بكامل نواياه فى بداية الحرب، وهذا ما أعطى إسرائيل الوقت المستريح للإجهاز على سوريا ثم العودة للجبهة المصرية بكامل قوتها لتحدث الثغرة. ولست فى وارد تقييم شخصية حافظ إسماعيل، ولكنه كان جزءًا من حالة السادات، وكانت حالة السادات تزحف بدرجات متفاوتة على الطاقم القيادى العسكرى والمدنى، أى ضرورة إنهاء الصراع والاعتراف بإسرائيل. حتى أن وثيقة أمريكية تم الكشف عنها فى عام 2001 تضمنت أن حافظ إسماعيل أوضح لكيسنجر فى إطار حديث ثنائى لم يشارك فيه أحد من الجانبيين على هامش لقاء فى باريس، أوضح استعداد مصر للتوقيع على أى اتفاق سلام طبقًا للمفهوم الأمريكى الذى طرح فى اجتماع باريس..!! والمفهوم الأمريكى كان دائمًا كما هو حتى الآن ممائلاً لإسرائيل. وكان هذا قبل حرب أكتوبر!! أما أثناء حرب أكتوبر ويوم 9 أكتوبر فى عزة نشوة انتصار العبور قال حافظ إسماعيل (لأبى الغيط) الذى كان سكرتيرًا لديه أنه (يستطيع أن يلتقى وفورًا أى مسؤول إسرائيلى وبالتحديد "إيجال ألون" صاحب فكرة التسوية مع العرب، وفى أى مكان إذ أن الجيش ضربهم وكشف حدود إمكاناتهم)!!
وهكذا كنا أمام طبقة حاكمة فقدت القدرة على المتابعة، وتريد أن تنهى أسطورة العداء لإسرائيل مستظلة بالعبور الناجح الذى اعتمد أساسًا على النجاح التاريخى فى المباغتة، وهو السبب الأساسى للعبور بهذه الخسائر المحدودة.
هذه الطبقة مزيج من بقايا ثورة يوليو بالإضافة لمن التحم بهم من صفوف جديدة من العسكريين والمدنيين. هذه الطبقة ماتت فى كامب ديفيد، ولكن تزعم الآن أنها خرجت من القبور وتحكمنا باسم السيسى، والإخوان مسؤولون عن هذا الوضع لأنهم عملوا ووصلوا للحكم فى إطار "شرعية كامب ديفيد"، وطالما هى كامب ديفيد، فالسيسى وأقرانه يرون أنهم أولى بها!!
أمريكا لا تستأمن مصر على البترول:
بعد سقوط الشاه، كان لابد لأمريكا أن تأتى بنفسها لحماية أكبر خزان نفطى فى العالم، منطقة الخليج العربى خاصة السعودية، فرغم أن مصر بدخولها العسكر الأمريكى عدلت الموازين فى المنطقة، لكن مصر لا تؤتمن على النفط الخليجى ولا صدام ولا إيران الثورة، والسعودية ضعيفة إزاء أى خطر خارجى بالإضافة لاحتمالات التغيير من الداخل، لذلك قالها الرئيس الأمريكى رونالد ريجان: (لن نسمح للسعودية بأن تكون إيران أخرى).
وقبله أعلن جيمى كارتر مبدأ التدخل السريع فى حالة تعرض الخليج لأى تهديدات يؤثر على إمدادات النفط. وتم تأسيس قوة مشتركة للانتشار السريع ومركزها فى تامبت على أن تنتشر عند اللزوم، وارتبط ذلك بالحصول على تسهيلات جديدة فى عُمان وكينيا والصومال وجزيرة (ييجو جارسيا) فى المحيط الهندى. وصار ريجان على نفس التوجه بطبيعة الحال.
مصر كانت عضوًا تحت التمرين والتدريب، ثم ظلت كذلك لأنها مشروع قائد للمنطقة بغض النظر عن السادات أو مبارك لأنهما سيرحلان، فكيف تضع الخزان النفطى تحت يد مشروع قائد للعرب. كان دور مصر ولا يزال دورًا لوجستيًّا فى هذا المنظومة بالإضافة لتقديم الغطاء السياسى الشرعى لأى تحرك أمريكى، وقد اقتبست من قبل أقوال أبو غزالة الذى تحدث بوضوح عن دور مصر فى حماية طرق إمدادات البترول!! وأن هذا هو أساس تحالفنا مع أمريكا والغرب. أى مجرد خدم؟ وكان لمصر دور لوجيستى فى أفغانستان لمواجهة السوفيت، بإرسال أسلحة سوفيتية للمجاهدين وإرسال متطوعين، بالإضافة للغطاء الإعلامى، وكذلك ذهبت عناصر مخابراتية مصرية مع المتطوعين، وهذا وضع أساس الاختراق المصرى للمجاهدين عندما تحولوا لضرب أمريكا وعملائها. واستخدمت قوات مصرية كرديف سياسى (ستيد) للقوات الأمريكية فى الصومال.
فى أواخر 1993 دعيت كرئيس تحرير لجريدة الشعب لتغطية رحلة مبارك للولايات المتحدة، بعد أن كنت مطلوبًا للتحقيق بسبب حملة الجريدة على مبارك بمناسبة الاستفتاء، ويبدو كانت محاولة لتبريد الأجواء بيننا وبين الحكم، المهم كان ذلك فى عهد كلينتون وكان عالقًا فى الصومال. وكانت من أهم "إنجازات" هذه الزيارة الميمونة أن أمريكا طلبت عونًا عسكريًّا مصريًّا كغطاء لحملة "الأمل" الإنسانية المزعومة فى الصومال. وفى المركز الصحفى داخل فندق ماديسون، كان رؤساء التحرير الحكوميون فى حالة من النشوة؛ لأن أمريكا لا تستغنى عن مصر، وبذلك لن يتم تخفيض المعونة!! ولم أناقشهم ولكن قلت رأيى فى "الشعب".
المهم لقد هزمت أمريكا فى الصومال وخرجت تجر أذيال الخيبة والعار كما بشرت فى عدة مقالات قبل حدوثه، وخرجت القوات المصرية معها. هذه التبعية المصرية لأمريكا هى التى جعلتنا بلا وزن فى المنطقة، حتى فى الصومال التى كانت جزءًا لا يتجزأ من مصر من أيام حتشبسوت حيث كان حكام بونت يأتون لأداء قسم الولاء لحكام مصر!! والآن أصبحنا مجرد "خدامين" للأمريكان.
وبعد أن كنا نتحكم فى باب المندب مع اليمن أصبح باب المندب تحت النفوذ الإسرائيلى القريب فى أريتريا وقواعد الغرب فى جيبوتى، وأصبحت مصر مجرد ضيف فى البحر الأحمر!!
أما فيما يتعلق بالنفط فقد أصبح دور مصر تقديم تسهيلات عسكرية جوية وبرية وبحرية للجيش الأمريكى، وبدأ هذا مبكرًا إذ خرجت طائرات أمريكية حربية من أحد مطارات الصعيد فى محاولة لتحرير الرهائن الدبلوماسيين فى طهران، وفشلت الحملة فى صحراء نوباز الإيرانية؛ حيث تصادمت الطائرات مع بعضها البعض، كما قدمت مصر المرور السريع للقوات الأمريكية عبر قناة السويس، فأصبحنا مجرد ممر، وهذا ما قاله وزير الدفاع الأمريكى هارولد براون (بدون المساعدة المصرية فإن الولايات المتحدة ستواجه عقبات فى استخدام القوة العسكرية فى المناطق الحيوية البعيدة عن الولايات المتحدة).
وقد ظهر هذا فى حربى العراق وأفغانستان؛ حيث سمحت مصر للطائرات الأمريكية بالتحليق فوق أراضيها بمعدل 20 إذنًا يوميًّا للطيران فى عام 2005 رغم هدوء القتال نسبيًّا فى الجبهتين، وقدمت مصر معلومات استخباراتية لواشنطن، أى أصبحت مجرد مخبر. إلا أن أمريكا حرصت على عدم استخدام القوات المصرية فى أى عمليات قتالية حقيقية عدا ما يسمى حرب تحرير الكويت، وكانت مشاركة مصر بهدف الغطاء السياسى لتأكيد غياب دوافع استعمارية، ولم تخض القوات المصرية حربا حقيقية. بل أجبرت على الانسحاب من الكويت (بعد إخراج القوات العراقية) عن طريق سوء المعاملة. وبقيت القوات الأمريكية حتى الآن !! (نواصل بإذن الله).
الحلقة الثالثة عشر
من الحلقة الأولى إلى الحلقة الثانية عشر
قمر صناعي بمساعدة روسيا.. وأمريكا تقتل أو تحتجز علماءنا..عبادة أمريكا هي الشرك المعاصر – حلقة – 13
متى تتوقف مهزلة زويل – فاروق الباز
سنؤجل الحديث عن الانكسار الذي حصل عام 2000 في العلاقات المصرية الأمريكية، حتى لا نقطع سياق الحديث عن موقف المؤسسة العسكرية من التبعية للولايات المتحدة والالتزام بعقيدة (عدم إمكانية تحدي أمريكا).
انكسار عام 2000 كان انكسارًا داخل الانكسار، فمصر منكسرة منذ التقى السادات بكيسنجر عام 1947 وأفصح له بأنه يريد – كالعاشق الولهان – أن يرتمي في أحضان عشيقته بعد طول تمنع وخصام متبادل وفي مذكرات كيسنجر نقرأ كلامًا ساخرًا عن السادات، ولكن مصر انكسرت أكثر عام 2000 في إطار نفس الخط ونفس السياق وسنعود لتلك النقطة لأنها مسألة تفصيلية، غير مبدئية.
كنا نتحدث عن السياسة الأمريكية بمنع مصر من امتلاك التكنولوجيا عمومًا، لأن العلم والتكنولوجيا (بمعنى تطبيقات العلم) هو أداة ومظهر بل وعمود القوة عمومًا والقوة العسكرية خصوصًا، وقلنا إن تكنولوجيا الذرة هي من أهم الأمور الممنوعة لأنها تصب مباشرة في إمكانية التسليح النووي، بينما المطلوب أن تكون لإسرائيل النووية اليد العليا في المنطقة، وأشرنا إلى الحساسية الأمريكية من امتلاك مصر لتكنولوجيا الصواريخ استيرادًا وتصنيعًا حتى وإن كانت بدائية ومتخلفة (سكاد) لأنها تضعنا على أول الطريق، والواقع أن من أهم انجازات الموساد (المخابرات الإسرائيلية) مع مصر هو إحباط مشروع الصواريخ في عهد عبد الناصر تحت إشراف مجموعة من العلماء الألمان بعمليات التهديد والاغتيال التي تعرضوا لها، ولكن هذا لا يعفي نظام عبد الناصر وما بعده من عدم الإصرار على المواصلة بعد هروب العلماء الألمان.
والآن فإن إسرائيل تمتلك صواريخ أرو التي تصل إلى المغرب، وتطلق الأقمار الصناعية، أي صواريخ بالستية بعيدة المدى بينما يستكثرون علينا صاروخ سكاد المتوسط (الكحيان)!! و أشرنا إلى إحباط أمريكا لمشروع صاروخي مع الأرجنتين. المهم أن حكامنا يستنيمون ويستسلمون أمام الضغوط الأمريكية إلى حد بيع الشرف بالمعنى الحرفي، ويقول المصريون في ظل التجهيل الإعلامي الذي يركز على "تزغيط البط والردح وقلة الحياء" – يقولون واحنا مالنا ومال الصواريخ، احنا في ايه ولا ايه، احنا مش لاقيين الفول والطعمية- وهكذا نجح إعلام كامب ديفيد في تركيع المصريين وإخضاعهم لنفسية الهزيمة.
كما ذكرت فإن التكنولوجيا لا تفرق بين المدني والعسكري، ونحن نحتاج لتكنولوجيا الصواريخ لأغراض مدنية، لإطلاق الأقمار الصناعية لأغراض تنموية، لأن دول الغرب لا تعطينا كل الصور التي نريدها والتي تكشف وجود المعادن والمياه تحت الأرض مثلا، وإطلاق الصواريخ يخضع لقرارات سيادية وتصنيع الأقمار الصناعية أيضًا يخضع لاعتبارات سياسية ولذلك لابد أن نكتسب هذه الخبرة بصورة وطنية، كما أن الدفاع عن الوطن لم يعد عورة نخشى الحديث عنها، فلماذا تمتلك إسرائيل الصواريخ ولا نمتلكها نحن؟ حتى الصواريخ المتوسطة تحتاج لتطوير من أجل مزيد من الدقة، ومقاومة التشويش والصواريخ المضادة، وزيادة وزن العبوة التفجيرية.
وقد كتبت في هذه الموضوعات في التسعينيات وطالبت بإحياء البرنامج الفضائي وتشكيل وكالة فضاء مصرية، وقد أرسل لي رئيس هيئة الاستشعار عن بعد بتحية خاصة – عبر د.محمد حلمي مراد رحمة الله عليه- على أحد هذه المقالات.
وكما جرى الحديث عن الخبرة النووية فإن أمريكا وأوروبا التابعة لها في الأمور الاستراتيجية ملتزمون جميعًا بحجب المعرفة والتكنولوجيا النووية عننا، حتى في مجال الكوبالت لأنه مشع!! ونفس الشيء ينسحب على الأقمار الصناعية والصواريخ الحاملة لها لتضعها على مدار حول الأرض، وبالمناسبة فإن العلماء الألمان كانوا يقومون بالعمل في مشروع الصواريخ المصري بشكل شخصي ولم يكونوا مكلفين من الحكومة الألمانية، وبسبب هذه المقاطعة ولأن هناك بقايا من البقايا من مفاهيم الأمن الوطني تم إنتاج قمر صناعي أوكراني- مصري، لأن أوكرانيا كانت موالية لروسيا وشاركت مصر في التصنيع وفي مراقبة ومتابعة القمر بعد إطلاقه، وقد كان عمره الافتراضي قصيرًا وانتهى بالفعل، وكنت في ذلك الوقت سجينا في سجن المرج (2009- 2010) وبعد تهديد بالإضراب عن الطعام أصبحت أطلع على الصحف، وكان لدي وقت لمتابعة كل ما ينشر عن هذا القمر المصري- الأوكراني الذي ضاع في الفضاء وجاري البحث عنه، في حين أن عمره الافتراضي انتهى وبالتالي لا مجال للحديث عن ضياعه والسخرية منه وممن صنعه مصريين أو أوكرانيين (طبعا مساهمة أوكرانيا هي الأساس) فالمعروف أن القمر الصناعي بعد انتهاء عمره الافتراضي يظل يدور بصورة عشوائية حول الأرض حتى يحترق عندما يسقط ويحتك بالمجال الجوي للأرض، كان المقصود من السخرية وعمل عناوين صارخة (قمر صناعي تاه يا ولاد الحلال) أن يتم إغلاق هذه الصفحة وتسريح الكوادر التي تعلمت هذه الخبرة، وسافرت للخارج من أجل ذلك وعادت. بينما كانت الخطة الموضوعة أن يتم تصنيع قمر جديد بمكون مصري 80 أو 100%!! وكما يقول المتخصصون في هذا المجال إن الموضوع غير مكلف ويحتاج عشرات من الملايين من الدولارات.
قبل ذلك في الثمانينات حدث موقف طريف للغاية، إذ قام قمر صناعي أمريكي بإرسال صور المنشآت العسكرية في مصر وسوريا إلى اسرائيل فالتقطتها محطة استقبال مصرية بطريق الخطأ، ولكن المهانة التي تعودها حكام مصر مع أمريكا جعلتهم يصمتون ويواصلون العمل مع الصديق الاستراتيجي الأمريكي.. فهي إذن حكاية أرزقية.. وبيع للوطن.. لمجرد البقاء في الحكم.. تحت شعار (احنا منقدرش على أمريكا).
وهناك كتلة متزايدة من البلدان أصبحت تستخدم الفضاء لأغراض سلمية وعسكرية (لا فرق كما قلنا)، إسرائيل- الصين- الهند- جنوب أفريقيا- كندا- فرنسا- إيطاليا- كازاخستان- أوكرانيا وعدد من الدول الأوروبية، بل أصبحت كل دول العالم تستفيد من الأقمار الصناعية كمستهلكين كما يحدث في مجال الاتصالات والبث الفضائي، وبينما نحن نتلكأ أطلقت إسرائيل حتى الآن 11 قمرًا صناعيًّا؛ وكان الأول عام 1961 قبل إطلاق 10 أقمار من طراز أفق وكان الأخير في مارس 2014 وسلسلة أقمار أفق تركز على التجسس العسكري. والتجسس العسكري لا يمكن شراء صوره من السوق!! وقد امتلكت الصين مؤخرًا تكنولوجيا الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية، أي صواريخ تدمر وتسقط الأقمار الصناعية المعادية.
إيجيبت سات – 2
عاهدت الله على الصدق.. وأن أقول الحق لا أخاف في الله لومة لائم.. ومن ضمن قول الحق أن أتحدث بصدق عن الخصم إن قام بشيء صحيح، كما حدث في قصة القنبلة النووية رغم أننا لم نكن متأكدين من حقيقتها ولا نزال، ولكن هذه المرة يبدو أن الأمر حقيقي فمصر تمتلك الآن قمرًا صناعيًّا بصورة كاملة اسمه "ايجيبت سات 2"
كنا قد وصلنا إلى القمر الأوكراني، وعندما خرجت من السجن التقيت بالمسؤول الأول عن المشروع (بهي الدين عرجون) وهو الذي روى لي قصة تسريح الطاقم الذي أخذ خبرة مهمة في تصنيع ثم إدارة القمر الأوكراني – المصري. وهو الذي أكد لي إمكانية التصنيع المصري بالكامل لقمر جديد. وعندما جاء مرسي للحكم، كنا في حالة إحباط من الإخوان المسلمين، فهم لا يسمعون لنا، وأخذوا مننا موقفًا تاريخيًّا في سوئه في انتخابات مجلس الشعب، ففي حين حاربتنا أجهزة الأمن في شرعية حزب العمل، فلم يكن بإمكاننا النزول في قائمة حزبية مستقلة، وفوجئنا أن الإخوان يتعاملون معنا معاملة بالغة السوء حتى أنهم رفضوا وضع واحد فقط من حزب العمل على رأس قائمة، وأن تكون هذه مشاركتنا الوحيدة. في المقابل وضعوا 6 من "الكرامة" في مقدمة القوائم ودخلوا المجلس وغيرهم من الذين ينهشون في لحمهم الآن. ومع ذلك تعاملنا مع مرسي بشكل موضوعي، ولكن كل ما كنا نرسل به إليه لم يأخذ به أو لم يصله ويبدو أنه لم يكن ينفذ أو يهتم إلا بما يأتي من قنوات الإخوان، ولا بأس إن كان ما يأتي له منهم يسير بشكل عام في الاتجاه الصحيح، ولكن ظهر أن ذلك لم يحدث!. وقد شرحت فكرة القمر الصناعي المصري لأحد المقربين لمرسي، ووعدني أن يتحدث معه، وطلب مني بالتوازي أن أكتب الاقتراح (صفوت حجازي)، وطلبت من بهي الدين عرجون أن يكتب فكرة التصنيع المصري للقمر الصناعي في ورقة مختصرة، ولكن في الأثناء فقدت الاتصال بصفوت حجازي، وهو لم يهتم بالاتصال بي، وكنت قد اقترحت عليه أشياء أخرى، وكنت أرى الوضع خطيرًا ومترديا وكان ذلك قبل سقوط مرسي بـ 6 شهور أو أكثر قليلاً. وكانت هناك مؤشرات عديدة على انسداد أذن الإخوان ومرسي لأي ناصح أمين، وانشغلوا بألعاب السياسة الضيقة وليس هذا موضوعنا الآن، وشعرت بأن مرسي لن يستجيب لشيء لأنني كنت أرى وأسمع كل يوم عن مصريين علماء ومتخصصين في أمور عديدة يحاولون مقابلة مرسي أو تنفيذ أفكارهم التي نجحت في بلدان أخرى بلا مجيب. فلم أواصل مطالبة عرجون بالورقة. بعد ذلك سافر مرسي إلى الهند وقالوا إنه تعاقد على قمر صناعي هندي، وقلت في نفسي: لا بأس نحن نريد التقدم من أي جهة ومن أي قناة وبأي أسلوب، ولكن علمت بعد ذلك أن هذا قمر صناعي صغير وتعليمي من النوع الذي تطلقه الجامعات للتعليم، وهو بالفعل كان بالاتفاق مع جامعة هندية. وهنا شعرت بالتهريج وتضييع وقت الأمة. وكنت قبل - حديثي مع حجازي- أكتب وجعلت بهي الين عرجون يكتب في صحيفة "الشعب" عن مشروع القمر الصناعي. طبعًا في ظل نظام مبارك الفاسد لم نكن نتوقع أن يقرأ أحد جريدة الشعب ويأخذ بجدية بما جاء فيها، وإن كانت الخارجية والمخابرات العامة وغيرهما من الأجهزة تقرأ جريدة الشعب بدقة فور صدورها في عهد مبارك. وكنت أتصور أن نظام الإخوان سيستفيد من الجريدة الإسلامية الأساسية ويأخذ منها أي اقتراحات، وفي إحدى اللقاءات المزدحمة التي لا تفيد كثيرا مع الرئيس مرسي، وأثناء صلاة العصر، قال لي ياسر على المتحدث باسم الرئاسة: جريدة الشعب ومقالاتك رائعة ونقرأها، قلت له: مش باين. وأخذت منه كارت به الإيميل وقلت له سأرسل لك مقالاتي والأشياء التي أراها مهمة وتتضمن اقتراحات عملية، وبالفعل كنت أرسل له هذه المواد قبل نشرها، فلم أجد أي صدى. ونسيت موضوع القمر الصناعي وأشياء أخرى كثيرة، لأن الحياة السياسية تلخصت في الصراع على وجود الإخوان في الحكم.
إطلاق قمر مصري
في 16 ابريل 2014 تم إطلاق قمر صناعي مصري جديد كان يتم تصنيعه سرًا في موسكو منذ عام 2007 . وهذا الاتجاه سرًا إلى روسيا (بعد أوكرانيا) يؤكد ما ذكرته أن الغرب بقيادة أمريكا يضع فيتو على مصر وغيرها من الدول العربية والإسلامية في مجال تكنولوجيا الفضاء، عدا إيران التي تحدت هذا القرار، كما تحدت في المجال النووي، وأطلقت عدة أقمار صناعية. وقد شارك الجانب المصري بنسبة 50% في كل مراحل القمر بداية من التصنيع والأمان والإطلاق والتشغيل والتشفير والتحكم، ومن المفترض أن تكون إدارته 100% مصرية. وتم إرسال مجموعة من الشباب لتدريبهم في روسيا على كل هذه المجالات، ولا أدري ما علاقة هذه المجموعة بمجموعة القمر الأوكراني المصري الأول والمفترض أن القمر يستخدم الآن في أمور تتعلق بالتنمية: تخطيط المدن- الكشف عن المعادن- خرائط الزراعة والري.
(الشعب: تأكدت هذه المعلومات في حديث د. حسن الشافعي مستشار وكالة الفضاء الروسية في الشرق الأوسط الذي نشر في الأخبار 15 يناير 2015، لذلك نعيد نشره بنصه في مكان آخر، حتى لا نقطع سياق الدراسة، بل الحديث وثيقة تؤكد صحة ما جاء في الدراسة).
نرجو أن تكون هذه المعلومات صحيحة، والخاصة بقدرة مصر الكاملة على إدارة عمل القمر الصناعي لأن المهم في هذه الحالة توطين التكنولوجيا وامتلاكها، لا استهلاك منتوجاتها، وإلا فإن كل أمير خليجي يشتري ترددًا على أي قمر صناعي لعمل قناة فضائية!! وهذه الممارسة لا علاقة لها بالتقدم. أوهو تقدم في الاستهلاك!!
وفيما يتعلق بالأمن القومي وتحقيق الاستقلال الحقيقي عن أمريكا والاستعداد لقيادة المنطقة، فإن الأمر كما ذكرت يحتاج لحزمة شاملة من السياسات تتخذ في وقت واحد (كما حدث في النموذج الإيراني مثلا) فلن يحدث تقدم إذا حصلت على القمر في 7 سنوات ثم على شيء آخر بعد 10 سنوات.. إلخ كل هذه الأدوات لا قيمة كبيرة لها إذا لم تعمل في إطار منظومة متكاملة متناسقة، والذي يوحد بين كل ذلك هي الإرادة الوطنية الفولاذية (الإيمانية إن شئت في بلد مسلم) وهي غير موجودة حتى الآن، وإن صحت هذه المعلومة يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي خرجنا به من عهد مبارك الذي لم يترك لنا إلا الزبالة، وحتى هذا الأمر لا يبدو أن له فضلا فيه، ولابد من تحية الأجهزة السيادية التي قامت بهذا العمل. (الأمر يتعلق بإدارة القمر الصناعي دون القدرة الصاروخية على إطلاقه ولا يزال علينا أن نصمم قمرًا صناعيًّا مصريًّا في المرة القادمة).
بين زويل .. والباز.. يا قلبي لا تحزن!!
المعرفة التكنولوجية يمكن اكتسابها عن طريقين: (1) أن يقوم طرف خارجي له مصلحة معك بتقديم هذه المعرفة لك. (2) أن تنبش أنت في الصخر بأظافرك وحدك حتى تصل إليها من خلال العلم، فالعلم موجود في الكراس (الكتاب والآن في الانترنت!!)، وغالبا ما يحدث الجمع بين الاسلوبين ولكن المهم أن تجمع بينهما الارادة الصلبة والعزيمة التي لا تلين والاصرار بدوافع وطنية أو دينية أو الاثنين معًا، فلن تعدم من يقدم لك المعرفة في العالم الواسع ولكن لابد أن تسعى إليه وتصر وتقدم له المقابل الذي لا يؤثر على استقلالك بل يكون على أساس المصلحة المشتركة: فلا شك أن إيران أخذت بعض المعلومات والخبرات النووية من كوريا الشمالية وباكستان بل قامت روسيا ببناء مفاعل بوشهر النووي الإيراني، ولكن لم يمنع هذا إيران أن تكون لها تجربتها الخاصة في أجهزة الطرد المركزي. وكذلك الصين مُنعت عنها التكنولوجيا النووية من الاتحاد السوفييتي فقدمت نموذجًا على النبش بالأظافر في الحجر والحصول على المعرفة العلمية من بطون الكتب وبعض المبعوثين للدراسات في الغرب، وتوصلت للأسرار النووية. ويمثل النموذج الليبي مسألة غياب الإرادة فقد اشترى القذافي كل شيء للمشروع النووي، ولكنه سلمه بأكمله للأمريكان لأن قواه خارت عندما رأى إسقاط صدام حسين واحتلال العراق، وعندما أبلغه الأمريكان أنهم كشفوا بالدليل المادي وجود هذا المشروع. إذن من الممكن أن تكون معك قنبلة نووية وقمر صناعي وتكون هزيلاً خائر القوى. لابد من استقلال الارادة أولا، أجهزتنا الاستخبارية لديها فكرة خاطئة لا تتولد إلا عند الموظفين، وهو تصور أن الاستقلال يمكن أن يكتسب خطوة خطوة وعلى مدى عشرات وربما مئات السنين !! هناك أمور لا تحدث إلا طفرة، واستقلال الإرادة لا تنفع معه أنصاف الحلول. وفارق جوهري بين أن تكون حر الإرادة وتضطر للمساومة أحيانًا، وبين أن تكون مسلوب الإرادة وتريد أن تكون حرًا بالتدريج فهذا غير ممكن. لابد من كسر الذراع التي تخنق رقبتك مرة واحدة حتى لا تختنق. واستقلال الإرادة لا يؤجل لأنه قرين الإيمان بالله (بالنسبة لنا كمسلمين موحدين بالله وإلا فإن الشيوعيين أيضا يرون أن الاستقلال رهين صحة العقيدة الماركسية والوطنية كما فعلت فيتنام ودفعت ثمن استقلالها وحريتها). بالنسبة لنا الإيمان لا يؤجل ولا يمكن تنصيصه (نسبة إلى النص) أو تبعيضه (نسبة إلى البعض) فإما تؤمن بالله أو تكفر به، إذا آمنت بالله فعليك أن تكون مستعدًا لدفع الثمن فورًا، كما فعل سحرة فرعون بلا تردد ولا فلسفة ولا فزلكة، و كما فعل المؤمنون أمام أصحاب الأخدود، وكما جاهر المؤمنون (بعد 3 سنوات من السرية) بالإيمان في بطن مكة، ما أهمية الايمان إذا كتمته في قلبك؟!
رجل يكتم إيمانه في بلاط فرعون، هذا استثناء يؤكد القاعدة بدليل أنه هو الآخر جاهر بإيمانه وانضم إلى السحرة الذين آمنوا وحاول أن يدافع عنهم حتى لا يعدموا.
مواجهة الطاغوت الأمريكي تبدأ بوقف المعونة. أن تتلقى المعونة من أمريكا هو خروج صريح عن الإسلام وقد كان إثمًا كبيرًا من حكم الإخوان أن قبلوا به، ولكننا لن نقبله من العسكر قبل وبعد حكم الإخوان، فالحكم الشرعي واحد. وهو يساوي قبول رسول الله (صلى الله عليه وسلم)- (حاشا لله)- أن يتلقى معونة من الإمبراطورية الرومانية، والعكس هو الذي حدث أن حارب رسول الله الرومان 3 مرات رغم اختلال موازين القوة المادية. باختصار إذا كان القمر إيجيبت، بالمواصفات التي سمعنا بها أي أنه قمر متطور وتحت السيطرة المصرية الكاملة فمرحبا به، ولكن طريق الاستقلال لن يكون هكذا كل 7 سنوات نقوم بخطوة.
لابد من وقف التهريج في مجال البحث العلمي.. نحن منذ سنوات طويلة نعيش في مستنقع من الترهات الإعلامية باسم البحث العلمي.. منذ أكثر من 10 سنوات ونحن نتحدث عن زويل وفاروق الباز ونحولهما إلى أيقونة، وإلى ظاهرة إعلامية. وتحول البحث العلمي إلى شو إعلامي ورغي لا ينتهي واستعراض بعض المعلومات في التليفزيون. ما الذي قدمه زويل لمصر مقابل كل هذا الضجيج الإعلامي، وصناعة وتلميع نجم أجوف. أمريكا لمعته ليمارس علينا كل هذا التهريج، وليوقف أي نمو حقيقي وجاد للبحث العلمي. إن أي إنجاز لزويل هو نتاج المنظومة العلمية الأمريكية، ولا يعني أنه عبقري زمانه، وإن كان عبقري زمانه فما الذي أخذناه منه. الشيء المؤكد أنه استخدم رصيده العلمي لتحسين القبة الحديدية الإسرائيلية. وأخذ جائزة على ذلك أثناء زيارته لإسرائيل. أما في مصر فقد استولى على مباني جامعة النيل ودخل في مشاجرات عقارية لا تليق بعالم كبير، المهم أن يظهر في برنامج العاشرة مساء وتتحدث معه منى الشاذلي بمنتهى التأثر وتكاد تبكي في حضرة العالم الكبير. زويل هو المستشار العلمي للرئيس الأمريكي، وبالتالي لا يصلح أن يكون مستشارًا علميًّا لمصر. وبحكم السياسة الأمريكية- وهو مواطن أمريكي- لا يستطيع أن ينقل لنا علمًا حقيقيًّا أو تكنولوجية حقيقية، كما ذكرنا المقصود هو صناعة (غاغة) وأنا مضطر لاستخدام الألفاظ العامية المناسبة لواقع الحال لأن اللغة العربية أعيتني مع أمثال هؤلاء، صناعة (غاغة) توحي بالبحث العلمي بدلا من ممارسة البحث العلمي بحق وحقيقية. وما ينطبق على زويل ينطبق على فاروق الباز (مع أنني لا أعلم له أي علاقة مع إسرائيل) ولكنه يمارس نفس الضجيج، ويظهر في البرامج التليفزيونية وخلاص!! أما مشروعه الذي لا زال يروج له (خط التعمير) الذي رفضه كل المتخصصين فهو لا مغزى له إلا إبعاد النظر عن تعمير سيناء، وكما أخذنا يوسف والي إلى أبعد نقطة عن إسرائيل في توشكى فهو نفسه (الباز) يقوم بنفس المهمة رغم أنه وصف الصحراء الغربية في إحدى المرات بأنها شبيهة بالمريخ. ومناقشة هذا المشروع خارج الدراسة. ولكنني أتحدث عن ظاهرة (زويل- الباز) باعتبارها ظاهرة مريبة وسخيفة لأبعادنا عن تحويل البحث العلمي إلى عمل مؤسسي جاد يجمع بين التخصصية والتكامل. وفي بلادنا يمكن اختصار الوضع بأنه (لا يوجد بحث علمي). وكما ذكرت لا يوجد فاصل بين المدني والعسكري في التكنولوجيا بل رأينا الأستاذ زويل يدعم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأفكاره، ولا نريد منه شيئًا ولكن كنت أشير إلى أننا في مرحلة الصفر دائمًا، وأن أي باحث جاد يقدم بحثا ولا يجد اهتمامًا يتوقف عن البحث أو يسافر للخارج، ولعدم الوعي بقضية الاستقلال فقد حدث أن مبارك والمجلس العسكري ومرسي والسيسي لم يهتموا جميعًا بالبحث العلمي، مع الفارق أن مبارك استمر 30 سنة ولكن العينة بينة، عقلية الرئيس تتضح خلال سنة. فحتى هؤلاء الذين حكموا لفترة قصيرة حوالي سنة أو سنة ونصف وجدوا وقتًا ليجلسوا مع كل الفئات إلا فئة العلماء والباحثين، وحاولوا أن ينظموا كل المجالات إلا البحث العلمي، وهذا ينطبق على رؤساء الحكومات (شرف- الجنزوري- الببلاوي- محلب- قنديل).
اختراعان مصريان:
اختراعات المصريين في الخارج لا يمكن حصرها حتى في المجال النووي والاستراتيجي والعسكري ولكنني سأضرب مثلين خطيرين: (1) اختراع يسمح بإعادة قذف المقذوف نفسه إلى الجهة التي أطلقته وإلى نفس نقطة انطلاقه، وهو اختراع قريب مما هو حادث بالفعل؛ حيث أصبحت الجيوش المتقدمة قادرة على كشف مكان انطلاق القذيفة أو الصاروخ ولكن الأمر يحتاج إلى بضع دقائق للرد، والاختراع يقلل المسافة الزمنية. (2) اختراع يجعل الطيار يصدر الأمر بإطلاق الصاروخ أو القذيفة بمجرد خاطرة الذهن عبر الخوذة التي يرتديها في رأسه، وأنا أعلم بهذا منذ عدة سنوات، ولكن يبدو أنه سيدخل حيز التنفيذ العملي حتى في بعض الأمور المدنية فيما يتعلق بتشغيل الأجهزة الكهربائية وغيرها، وهذا اختراع خطير في مجال الطيران لأن الثانية تحسم الاشتباك الجوي بين طائرتين.
المهم أن صاحبي الاختراع مصريان في أمريكا، أحدهما قتل لأنه أصر على العودة إلى مصر والثاني ممنوع من مغادرة أمريكا، فهو محدد الإقامة واسمه في كل المطارات ومنافذ الخروج وتحت المراقبة الدائمة. وإذا خرج من أمريكا سيقتل وهو يعلم ذلك. إذن هذه هي قدرة أبناء مصر، وهذه أيضا وحشية الأمريكان في صراعهم الضاري ضد الروس والصين، وهذا ما يكشف أحد أسباب التقدم العلمي والتكنولوجي الأمريكي، وهو مصادرة العلماء من جميع أنحاء العالم وتوظيفهم لخدمة المصالح الأمريكية بالقوة الجبرية، وهنا لا بد من التذكرة بطائرة البطوطي التي أسقتطتها أمريكا كما ذكرنا فقد كان بها عشرات من الخبراء المصريين في أمور عسكرية فقد كانوا علماء أو مشروع علماء. (الحديث متواصل)
انكسار عام 2000 كان انكسارًا داخل الانكسار، فمصر منكسرة منذ التقى السادات بكيسنجر عام 1947 وأفصح له بأنه يريد – كالعاشق الولهان – أن يرتمي في أحضان عشيقته بعد طول تمنع وخصام متبادل وفي مذكرات كيسنجر نقرأ كلامًا ساخرًا عن السادات، ولكن مصر انكسرت أكثر عام 2000 في إطار نفس الخط ونفس السياق وسنعود لتلك النقطة لأنها مسألة تفصيلية، غير مبدئية.
كنا نتحدث عن السياسة الأمريكية بمنع مصر من امتلاك التكنولوجيا عمومًا، لأن العلم والتكنولوجيا (بمعنى تطبيقات العلم) هو أداة ومظهر بل وعمود القوة عمومًا والقوة العسكرية خصوصًا، وقلنا إن تكنولوجيا الذرة هي من أهم الأمور الممنوعة لأنها تصب مباشرة في إمكانية التسليح النووي، بينما المطلوب أن تكون لإسرائيل النووية اليد العليا في المنطقة، وأشرنا إلى الحساسية الأمريكية من امتلاك مصر لتكنولوجيا الصواريخ استيرادًا وتصنيعًا حتى وإن كانت بدائية ومتخلفة (سكاد) لأنها تضعنا على أول الطريق، والواقع أن من أهم انجازات الموساد (المخابرات الإسرائيلية) مع مصر هو إحباط مشروع الصواريخ في عهد عبد الناصر تحت إشراف مجموعة من العلماء الألمان بعمليات التهديد والاغتيال التي تعرضوا لها، ولكن هذا لا يعفي نظام عبد الناصر وما بعده من عدم الإصرار على المواصلة بعد هروب العلماء الألمان.
والآن فإن إسرائيل تمتلك صواريخ أرو التي تصل إلى المغرب، وتطلق الأقمار الصناعية، أي صواريخ بالستية بعيدة المدى بينما يستكثرون علينا صاروخ سكاد المتوسط (الكحيان)!! و أشرنا إلى إحباط أمريكا لمشروع صاروخي مع الأرجنتين. المهم أن حكامنا يستنيمون ويستسلمون أمام الضغوط الأمريكية إلى حد بيع الشرف بالمعنى الحرفي، ويقول المصريون في ظل التجهيل الإعلامي الذي يركز على "تزغيط البط والردح وقلة الحياء" – يقولون واحنا مالنا ومال الصواريخ، احنا في ايه ولا ايه، احنا مش لاقيين الفول والطعمية- وهكذا نجح إعلام كامب ديفيد في تركيع المصريين وإخضاعهم لنفسية الهزيمة.
كما ذكرت فإن التكنولوجيا لا تفرق بين المدني والعسكري، ونحن نحتاج لتكنولوجيا الصواريخ لأغراض مدنية، لإطلاق الأقمار الصناعية لأغراض تنموية، لأن دول الغرب لا تعطينا كل الصور التي نريدها والتي تكشف وجود المعادن والمياه تحت الأرض مثلا، وإطلاق الصواريخ يخضع لقرارات سيادية وتصنيع الأقمار الصناعية أيضًا يخضع لاعتبارات سياسية ولذلك لابد أن نكتسب هذه الخبرة بصورة وطنية، كما أن الدفاع عن الوطن لم يعد عورة نخشى الحديث عنها، فلماذا تمتلك إسرائيل الصواريخ ولا نمتلكها نحن؟ حتى الصواريخ المتوسطة تحتاج لتطوير من أجل مزيد من الدقة، ومقاومة التشويش والصواريخ المضادة، وزيادة وزن العبوة التفجيرية.
وقد كتبت في هذه الموضوعات في التسعينيات وطالبت بإحياء البرنامج الفضائي وتشكيل وكالة فضاء مصرية، وقد أرسل لي رئيس هيئة الاستشعار عن بعد بتحية خاصة – عبر د.محمد حلمي مراد رحمة الله عليه- على أحد هذه المقالات.
وكما جرى الحديث عن الخبرة النووية فإن أمريكا وأوروبا التابعة لها في الأمور الاستراتيجية ملتزمون جميعًا بحجب المعرفة والتكنولوجيا النووية عننا، حتى في مجال الكوبالت لأنه مشع!! ونفس الشيء ينسحب على الأقمار الصناعية والصواريخ الحاملة لها لتضعها على مدار حول الأرض، وبالمناسبة فإن العلماء الألمان كانوا يقومون بالعمل في مشروع الصواريخ المصري بشكل شخصي ولم يكونوا مكلفين من الحكومة الألمانية، وبسبب هذه المقاطعة ولأن هناك بقايا من البقايا من مفاهيم الأمن الوطني تم إنتاج قمر صناعي أوكراني- مصري، لأن أوكرانيا كانت موالية لروسيا وشاركت مصر في التصنيع وفي مراقبة ومتابعة القمر بعد إطلاقه، وقد كان عمره الافتراضي قصيرًا وانتهى بالفعل، وكنت في ذلك الوقت سجينا في سجن المرج (2009- 2010) وبعد تهديد بالإضراب عن الطعام أصبحت أطلع على الصحف، وكان لدي وقت لمتابعة كل ما ينشر عن هذا القمر المصري- الأوكراني الذي ضاع في الفضاء وجاري البحث عنه، في حين أن عمره الافتراضي انتهى وبالتالي لا مجال للحديث عن ضياعه والسخرية منه وممن صنعه مصريين أو أوكرانيين (طبعا مساهمة أوكرانيا هي الأساس) فالمعروف أن القمر الصناعي بعد انتهاء عمره الافتراضي يظل يدور بصورة عشوائية حول الأرض حتى يحترق عندما يسقط ويحتك بالمجال الجوي للأرض، كان المقصود من السخرية وعمل عناوين صارخة (قمر صناعي تاه يا ولاد الحلال) أن يتم إغلاق هذه الصفحة وتسريح الكوادر التي تعلمت هذه الخبرة، وسافرت للخارج من أجل ذلك وعادت. بينما كانت الخطة الموضوعة أن يتم تصنيع قمر جديد بمكون مصري 80 أو 100%!! وكما يقول المتخصصون في هذا المجال إن الموضوع غير مكلف ويحتاج عشرات من الملايين من الدولارات.
قبل ذلك في الثمانينات حدث موقف طريف للغاية، إذ قام قمر صناعي أمريكي بإرسال صور المنشآت العسكرية في مصر وسوريا إلى اسرائيل فالتقطتها محطة استقبال مصرية بطريق الخطأ، ولكن المهانة التي تعودها حكام مصر مع أمريكا جعلتهم يصمتون ويواصلون العمل مع الصديق الاستراتيجي الأمريكي.. فهي إذن حكاية أرزقية.. وبيع للوطن.. لمجرد البقاء في الحكم.. تحت شعار (احنا منقدرش على أمريكا).
وهناك كتلة متزايدة من البلدان أصبحت تستخدم الفضاء لأغراض سلمية وعسكرية (لا فرق كما قلنا)، إسرائيل- الصين- الهند- جنوب أفريقيا- كندا- فرنسا- إيطاليا- كازاخستان- أوكرانيا وعدد من الدول الأوروبية، بل أصبحت كل دول العالم تستفيد من الأقمار الصناعية كمستهلكين كما يحدث في مجال الاتصالات والبث الفضائي، وبينما نحن نتلكأ أطلقت إسرائيل حتى الآن 11 قمرًا صناعيًّا؛ وكان الأول عام 1961 قبل إطلاق 10 أقمار من طراز أفق وكان الأخير في مارس 2014 وسلسلة أقمار أفق تركز على التجسس العسكري. والتجسس العسكري لا يمكن شراء صوره من السوق!! وقد امتلكت الصين مؤخرًا تكنولوجيا الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية، أي صواريخ تدمر وتسقط الأقمار الصناعية المعادية.
إيجيبت سات – 2
عاهدت الله على الصدق.. وأن أقول الحق لا أخاف في الله لومة لائم.. ومن ضمن قول الحق أن أتحدث بصدق عن الخصم إن قام بشيء صحيح، كما حدث في قصة القنبلة النووية رغم أننا لم نكن متأكدين من حقيقتها ولا نزال، ولكن هذه المرة يبدو أن الأمر حقيقي فمصر تمتلك الآن قمرًا صناعيًّا بصورة كاملة اسمه "ايجيبت سات 2"
كنا قد وصلنا إلى القمر الأوكراني، وعندما خرجت من السجن التقيت بالمسؤول الأول عن المشروع (بهي الدين عرجون) وهو الذي روى لي قصة تسريح الطاقم الذي أخذ خبرة مهمة في تصنيع ثم إدارة القمر الأوكراني – المصري. وهو الذي أكد لي إمكانية التصنيع المصري بالكامل لقمر جديد. وعندما جاء مرسي للحكم، كنا في حالة إحباط من الإخوان المسلمين، فهم لا يسمعون لنا، وأخذوا مننا موقفًا تاريخيًّا في سوئه في انتخابات مجلس الشعب، ففي حين حاربتنا أجهزة الأمن في شرعية حزب العمل، فلم يكن بإمكاننا النزول في قائمة حزبية مستقلة، وفوجئنا أن الإخوان يتعاملون معنا معاملة بالغة السوء حتى أنهم رفضوا وضع واحد فقط من حزب العمل على رأس قائمة، وأن تكون هذه مشاركتنا الوحيدة. في المقابل وضعوا 6 من "الكرامة" في مقدمة القوائم ودخلوا المجلس وغيرهم من الذين ينهشون في لحمهم الآن. ومع ذلك تعاملنا مع مرسي بشكل موضوعي، ولكن كل ما كنا نرسل به إليه لم يأخذ به أو لم يصله ويبدو أنه لم يكن ينفذ أو يهتم إلا بما يأتي من قنوات الإخوان، ولا بأس إن كان ما يأتي له منهم يسير بشكل عام في الاتجاه الصحيح، ولكن ظهر أن ذلك لم يحدث!. وقد شرحت فكرة القمر الصناعي المصري لأحد المقربين لمرسي، ووعدني أن يتحدث معه، وطلب مني بالتوازي أن أكتب الاقتراح (صفوت حجازي)، وطلبت من بهي الدين عرجون أن يكتب فكرة التصنيع المصري للقمر الصناعي في ورقة مختصرة، ولكن في الأثناء فقدت الاتصال بصفوت حجازي، وهو لم يهتم بالاتصال بي، وكنت قد اقترحت عليه أشياء أخرى، وكنت أرى الوضع خطيرًا ومترديا وكان ذلك قبل سقوط مرسي بـ 6 شهور أو أكثر قليلاً. وكانت هناك مؤشرات عديدة على انسداد أذن الإخوان ومرسي لأي ناصح أمين، وانشغلوا بألعاب السياسة الضيقة وليس هذا موضوعنا الآن، وشعرت بأن مرسي لن يستجيب لشيء لأنني كنت أرى وأسمع كل يوم عن مصريين علماء ومتخصصين في أمور عديدة يحاولون مقابلة مرسي أو تنفيذ أفكارهم التي نجحت في بلدان أخرى بلا مجيب. فلم أواصل مطالبة عرجون بالورقة. بعد ذلك سافر مرسي إلى الهند وقالوا إنه تعاقد على قمر صناعي هندي، وقلت في نفسي: لا بأس نحن نريد التقدم من أي جهة ومن أي قناة وبأي أسلوب، ولكن علمت بعد ذلك أن هذا قمر صناعي صغير وتعليمي من النوع الذي تطلقه الجامعات للتعليم، وهو بالفعل كان بالاتفاق مع جامعة هندية. وهنا شعرت بالتهريج وتضييع وقت الأمة. وكنت قبل - حديثي مع حجازي- أكتب وجعلت بهي الين عرجون يكتب في صحيفة "الشعب" عن مشروع القمر الصناعي. طبعًا في ظل نظام مبارك الفاسد لم نكن نتوقع أن يقرأ أحد جريدة الشعب ويأخذ بجدية بما جاء فيها، وإن كانت الخارجية والمخابرات العامة وغيرهما من الأجهزة تقرأ جريدة الشعب بدقة فور صدورها في عهد مبارك. وكنت أتصور أن نظام الإخوان سيستفيد من الجريدة الإسلامية الأساسية ويأخذ منها أي اقتراحات، وفي إحدى اللقاءات المزدحمة التي لا تفيد كثيرا مع الرئيس مرسي، وأثناء صلاة العصر، قال لي ياسر على المتحدث باسم الرئاسة: جريدة الشعب ومقالاتك رائعة ونقرأها، قلت له: مش باين. وأخذت منه كارت به الإيميل وقلت له سأرسل لك مقالاتي والأشياء التي أراها مهمة وتتضمن اقتراحات عملية، وبالفعل كنت أرسل له هذه المواد قبل نشرها، فلم أجد أي صدى. ونسيت موضوع القمر الصناعي وأشياء أخرى كثيرة، لأن الحياة السياسية تلخصت في الصراع على وجود الإخوان في الحكم.
إطلاق قمر مصري
في 16 ابريل 2014 تم إطلاق قمر صناعي مصري جديد كان يتم تصنيعه سرًا في موسكو منذ عام 2007 . وهذا الاتجاه سرًا إلى روسيا (بعد أوكرانيا) يؤكد ما ذكرته أن الغرب بقيادة أمريكا يضع فيتو على مصر وغيرها من الدول العربية والإسلامية في مجال تكنولوجيا الفضاء، عدا إيران التي تحدت هذا القرار، كما تحدت في المجال النووي، وأطلقت عدة أقمار صناعية. وقد شارك الجانب المصري بنسبة 50% في كل مراحل القمر بداية من التصنيع والأمان والإطلاق والتشغيل والتشفير والتحكم، ومن المفترض أن تكون إدارته 100% مصرية. وتم إرسال مجموعة من الشباب لتدريبهم في روسيا على كل هذه المجالات، ولا أدري ما علاقة هذه المجموعة بمجموعة القمر الأوكراني المصري الأول والمفترض أن القمر يستخدم الآن في أمور تتعلق بالتنمية: تخطيط المدن- الكشف عن المعادن- خرائط الزراعة والري.
(الشعب: تأكدت هذه المعلومات في حديث د. حسن الشافعي مستشار وكالة الفضاء الروسية في الشرق الأوسط الذي نشر في الأخبار 15 يناير 2015، لذلك نعيد نشره بنصه في مكان آخر، حتى لا نقطع سياق الدراسة، بل الحديث وثيقة تؤكد صحة ما جاء في الدراسة).
نرجو أن تكون هذه المعلومات صحيحة، والخاصة بقدرة مصر الكاملة على إدارة عمل القمر الصناعي لأن المهم في هذه الحالة توطين التكنولوجيا وامتلاكها، لا استهلاك منتوجاتها، وإلا فإن كل أمير خليجي يشتري ترددًا على أي قمر صناعي لعمل قناة فضائية!! وهذه الممارسة لا علاقة لها بالتقدم. أوهو تقدم في الاستهلاك!!
وفيما يتعلق بالأمن القومي وتحقيق الاستقلال الحقيقي عن أمريكا والاستعداد لقيادة المنطقة، فإن الأمر كما ذكرت يحتاج لحزمة شاملة من السياسات تتخذ في وقت واحد (كما حدث في النموذج الإيراني مثلا) فلن يحدث تقدم إذا حصلت على القمر في 7 سنوات ثم على شيء آخر بعد 10 سنوات.. إلخ كل هذه الأدوات لا قيمة كبيرة لها إذا لم تعمل في إطار منظومة متكاملة متناسقة، والذي يوحد بين كل ذلك هي الإرادة الوطنية الفولاذية (الإيمانية إن شئت في بلد مسلم) وهي غير موجودة حتى الآن، وإن صحت هذه المعلومة يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي خرجنا به من عهد مبارك الذي لم يترك لنا إلا الزبالة، وحتى هذا الأمر لا يبدو أن له فضلا فيه، ولابد من تحية الأجهزة السيادية التي قامت بهذا العمل. (الأمر يتعلق بإدارة القمر الصناعي دون القدرة الصاروخية على إطلاقه ولا يزال علينا أن نصمم قمرًا صناعيًّا مصريًّا في المرة القادمة).
بين زويل .. والباز.. يا قلبي لا تحزن!!
المعرفة التكنولوجية يمكن اكتسابها عن طريقين: (1) أن يقوم طرف خارجي له مصلحة معك بتقديم هذه المعرفة لك. (2) أن تنبش أنت في الصخر بأظافرك وحدك حتى تصل إليها من خلال العلم، فالعلم موجود في الكراس (الكتاب والآن في الانترنت!!)، وغالبا ما يحدث الجمع بين الاسلوبين ولكن المهم أن تجمع بينهما الارادة الصلبة والعزيمة التي لا تلين والاصرار بدوافع وطنية أو دينية أو الاثنين معًا، فلن تعدم من يقدم لك المعرفة في العالم الواسع ولكن لابد أن تسعى إليه وتصر وتقدم له المقابل الذي لا يؤثر على استقلالك بل يكون على أساس المصلحة المشتركة: فلا شك أن إيران أخذت بعض المعلومات والخبرات النووية من كوريا الشمالية وباكستان بل قامت روسيا ببناء مفاعل بوشهر النووي الإيراني، ولكن لم يمنع هذا إيران أن تكون لها تجربتها الخاصة في أجهزة الطرد المركزي. وكذلك الصين مُنعت عنها التكنولوجيا النووية من الاتحاد السوفييتي فقدمت نموذجًا على النبش بالأظافر في الحجر والحصول على المعرفة العلمية من بطون الكتب وبعض المبعوثين للدراسات في الغرب، وتوصلت للأسرار النووية. ويمثل النموذج الليبي مسألة غياب الإرادة فقد اشترى القذافي كل شيء للمشروع النووي، ولكنه سلمه بأكمله للأمريكان لأن قواه خارت عندما رأى إسقاط صدام حسين واحتلال العراق، وعندما أبلغه الأمريكان أنهم كشفوا بالدليل المادي وجود هذا المشروع. إذن من الممكن أن تكون معك قنبلة نووية وقمر صناعي وتكون هزيلاً خائر القوى. لابد من استقلال الارادة أولا، أجهزتنا الاستخبارية لديها فكرة خاطئة لا تتولد إلا عند الموظفين، وهو تصور أن الاستقلال يمكن أن يكتسب خطوة خطوة وعلى مدى عشرات وربما مئات السنين !! هناك أمور لا تحدث إلا طفرة، واستقلال الإرادة لا تنفع معه أنصاف الحلول. وفارق جوهري بين أن تكون حر الإرادة وتضطر للمساومة أحيانًا، وبين أن تكون مسلوب الإرادة وتريد أن تكون حرًا بالتدريج فهذا غير ممكن. لابد من كسر الذراع التي تخنق رقبتك مرة واحدة حتى لا تختنق. واستقلال الإرادة لا يؤجل لأنه قرين الإيمان بالله (بالنسبة لنا كمسلمين موحدين بالله وإلا فإن الشيوعيين أيضا يرون أن الاستقلال رهين صحة العقيدة الماركسية والوطنية كما فعلت فيتنام ودفعت ثمن استقلالها وحريتها). بالنسبة لنا الإيمان لا يؤجل ولا يمكن تنصيصه (نسبة إلى النص) أو تبعيضه (نسبة إلى البعض) فإما تؤمن بالله أو تكفر به، إذا آمنت بالله فعليك أن تكون مستعدًا لدفع الثمن فورًا، كما فعل سحرة فرعون بلا تردد ولا فلسفة ولا فزلكة، و كما فعل المؤمنون أمام أصحاب الأخدود، وكما جاهر المؤمنون (بعد 3 سنوات من السرية) بالإيمان في بطن مكة، ما أهمية الايمان إذا كتمته في قلبك؟!
رجل يكتم إيمانه في بلاط فرعون، هذا استثناء يؤكد القاعدة بدليل أنه هو الآخر جاهر بإيمانه وانضم إلى السحرة الذين آمنوا وحاول أن يدافع عنهم حتى لا يعدموا.
مواجهة الطاغوت الأمريكي تبدأ بوقف المعونة. أن تتلقى المعونة من أمريكا هو خروج صريح عن الإسلام وقد كان إثمًا كبيرًا من حكم الإخوان أن قبلوا به، ولكننا لن نقبله من العسكر قبل وبعد حكم الإخوان، فالحكم الشرعي واحد. وهو يساوي قبول رسول الله (صلى الله عليه وسلم)- (حاشا لله)- أن يتلقى معونة من الإمبراطورية الرومانية، والعكس هو الذي حدث أن حارب رسول الله الرومان 3 مرات رغم اختلال موازين القوة المادية. باختصار إذا كان القمر إيجيبت، بالمواصفات التي سمعنا بها أي أنه قمر متطور وتحت السيطرة المصرية الكاملة فمرحبا به، ولكن طريق الاستقلال لن يكون هكذا كل 7 سنوات نقوم بخطوة.
لابد من وقف التهريج في مجال البحث العلمي.. نحن منذ سنوات طويلة نعيش في مستنقع من الترهات الإعلامية باسم البحث العلمي.. منذ أكثر من 10 سنوات ونحن نتحدث عن زويل وفاروق الباز ونحولهما إلى أيقونة، وإلى ظاهرة إعلامية. وتحول البحث العلمي إلى شو إعلامي ورغي لا ينتهي واستعراض بعض المعلومات في التليفزيون. ما الذي قدمه زويل لمصر مقابل كل هذا الضجيج الإعلامي، وصناعة وتلميع نجم أجوف. أمريكا لمعته ليمارس علينا كل هذا التهريج، وليوقف أي نمو حقيقي وجاد للبحث العلمي. إن أي إنجاز لزويل هو نتاج المنظومة العلمية الأمريكية، ولا يعني أنه عبقري زمانه، وإن كان عبقري زمانه فما الذي أخذناه منه. الشيء المؤكد أنه استخدم رصيده العلمي لتحسين القبة الحديدية الإسرائيلية. وأخذ جائزة على ذلك أثناء زيارته لإسرائيل. أما في مصر فقد استولى على مباني جامعة النيل ودخل في مشاجرات عقارية لا تليق بعالم كبير، المهم أن يظهر في برنامج العاشرة مساء وتتحدث معه منى الشاذلي بمنتهى التأثر وتكاد تبكي في حضرة العالم الكبير. زويل هو المستشار العلمي للرئيس الأمريكي، وبالتالي لا يصلح أن يكون مستشارًا علميًّا لمصر. وبحكم السياسة الأمريكية- وهو مواطن أمريكي- لا يستطيع أن ينقل لنا علمًا حقيقيًّا أو تكنولوجية حقيقية، كما ذكرنا المقصود هو صناعة (غاغة) وأنا مضطر لاستخدام الألفاظ العامية المناسبة لواقع الحال لأن اللغة العربية أعيتني مع أمثال هؤلاء، صناعة (غاغة) توحي بالبحث العلمي بدلا من ممارسة البحث العلمي بحق وحقيقية. وما ينطبق على زويل ينطبق على فاروق الباز (مع أنني لا أعلم له أي علاقة مع إسرائيل) ولكنه يمارس نفس الضجيج، ويظهر في البرامج التليفزيونية وخلاص!! أما مشروعه الذي لا زال يروج له (خط التعمير) الذي رفضه كل المتخصصين فهو لا مغزى له إلا إبعاد النظر عن تعمير سيناء، وكما أخذنا يوسف والي إلى أبعد نقطة عن إسرائيل في توشكى فهو نفسه (الباز) يقوم بنفس المهمة رغم أنه وصف الصحراء الغربية في إحدى المرات بأنها شبيهة بالمريخ. ومناقشة هذا المشروع خارج الدراسة. ولكنني أتحدث عن ظاهرة (زويل- الباز) باعتبارها ظاهرة مريبة وسخيفة لأبعادنا عن تحويل البحث العلمي إلى عمل مؤسسي جاد يجمع بين التخصصية والتكامل. وفي بلادنا يمكن اختصار الوضع بأنه (لا يوجد بحث علمي). وكما ذكرت لا يوجد فاصل بين المدني والعسكري في التكنولوجيا بل رأينا الأستاذ زويل يدعم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأفكاره، ولا نريد منه شيئًا ولكن كنت أشير إلى أننا في مرحلة الصفر دائمًا، وأن أي باحث جاد يقدم بحثا ولا يجد اهتمامًا يتوقف عن البحث أو يسافر للخارج، ولعدم الوعي بقضية الاستقلال فقد حدث أن مبارك والمجلس العسكري ومرسي والسيسي لم يهتموا جميعًا بالبحث العلمي، مع الفارق أن مبارك استمر 30 سنة ولكن العينة بينة، عقلية الرئيس تتضح خلال سنة. فحتى هؤلاء الذين حكموا لفترة قصيرة حوالي سنة أو سنة ونصف وجدوا وقتًا ليجلسوا مع كل الفئات إلا فئة العلماء والباحثين، وحاولوا أن ينظموا كل المجالات إلا البحث العلمي، وهذا ينطبق على رؤساء الحكومات (شرف- الجنزوري- الببلاوي- محلب- قنديل).
اختراعان مصريان:
اختراعات المصريين في الخارج لا يمكن حصرها حتى في المجال النووي والاستراتيجي والعسكري ولكنني سأضرب مثلين خطيرين: (1) اختراع يسمح بإعادة قذف المقذوف نفسه إلى الجهة التي أطلقته وإلى نفس نقطة انطلاقه، وهو اختراع قريب مما هو حادث بالفعل؛ حيث أصبحت الجيوش المتقدمة قادرة على كشف مكان انطلاق القذيفة أو الصاروخ ولكن الأمر يحتاج إلى بضع دقائق للرد، والاختراع يقلل المسافة الزمنية. (2) اختراع يجعل الطيار يصدر الأمر بإطلاق الصاروخ أو القذيفة بمجرد خاطرة الذهن عبر الخوذة التي يرتديها في رأسه، وأنا أعلم بهذا منذ عدة سنوات، ولكن يبدو أنه سيدخل حيز التنفيذ العملي حتى في بعض الأمور المدنية فيما يتعلق بتشغيل الأجهزة الكهربائية وغيرها، وهذا اختراع خطير في مجال الطيران لأن الثانية تحسم الاشتباك الجوي بين طائرتين.
المهم أن صاحبي الاختراع مصريان في أمريكا، أحدهما قتل لأنه أصر على العودة إلى مصر والثاني ممنوع من مغادرة أمريكا، فهو محدد الإقامة واسمه في كل المطارات ومنافذ الخروج وتحت المراقبة الدائمة. وإذا خرج من أمريكا سيقتل وهو يعلم ذلك. إذن هذه هي قدرة أبناء مصر، وهذه أيضا وحشية الأمريكان في صراعهم الضاري ضد الروس والصين، وهذا ما يكشف أحد أسباب التقدم العلمي والتكنولوجي الأمريكي، وهو مصادرة العلماء من جميع أنحاء العالم وتوظيفهم لخدمة المصالح الأمريكية بالقوة الجبرية، وهنا لا بد من التذكرة بطائرة البطوطي التي أسقتطتها أمريكا كما ذكرنا فقد كان بها عشرات من الخبراء المصريين في أمور عسكرية فقد كانوا علماء أو مشروع علماء. (الحديث متواصل)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق