"مجدي حسين" يكتب عن "عادل حسين".. وظاهرة المفكر المجاهد الذي لا يتوقف عطاؤه إلا بالموت
وفاءً منا لفارس الكلمة "عادل حسين" فى الذكري 83 لميلاده
منذ 8 ساعة
عدد القراءات: 326
في الذكري 83 لميلاد المفكر الإسلامي والمجاهد "عادل حسين" رئيس تحرير جريدة "الشعب" وأمين عام حزب العمل (الاستقلال حاليا) السابق نعيد نشر مقال المجاهد "مجدي حسين" والذي نشره في جريدة الأحرار بتاريخ 18 مارس 2001م ، وفاءً منا لروحه الطاهره ومسيرة كفاحه المشرفه.
نص المقال
اختار المفكر الإسلامي.. والمجاهد عادل حسين أمين عام حزب العمل.. أن يرحل عن عالمنا.. أو بالأحرى هكذا اختار الله له.. رغم أنه كان قادرًا على المزيد من العطاء السياسي والفكري.. ولكن يفعل الله ما يريد.. وعلينا أن نقبل بقضاء الله وقدره دون أن ندرك الحكمة.. ولعلنا نفهمها جزئيًا بعد حين.. وقد كان الأستاذ عادل حسين ذلك الرجل الذي لا يقعده إلا الموت.. وكان يتعرض للنوبات الصحية.. ويقاومها.. ويواصل طريقه بقوة وعناد وصلابة نادرة.
كان عادل حسين نموذجًا في أشياء كثيرة.. وكان متفردًا من زوايا متعددة.. فهو رجل الفكر في السياسة.. ورجل السياسية في الفكر.. كان المفكر الذي شق طريقًا متميزًا في عالم الفكر وقدم إعمالاً كانت علامات في الحياة الفكرية والثقافية للأمة، ولكنه في نفس الوقت تنازل عن هذا العرش المريح.. وعاد إلى أرض الواقع.. إلى معترك الحياة السياسية.. لينشغل بأمور ما كان لمثله أن ينشغل بها.. تفاصيل السياسة والعمل التنظيمي.. فقد كان مؤمنًا بفكره.. إلى حد اليقين.. إلى حد أنه سعى لأن يراها يانعة مزهرة باسقة في بساتين الحياة.. والحقيقة أن عادل حسين كان من أبرز الزوار المقتحمين لعدد من المشكلات والعوائق التي أصابت الأمة.
كان رائدًا في فكرة التصدي للعداء المصطنع بين العروبة والإسلام وبلور مفاهيم الاستقلال الحضاري الإسلامي.. والتنمية المستقلة في كتابه العمدة "الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية" بلور مفاهيم خاصة واجتهاد بالغ الأهمية في قضايا الديمقراطية والمرأة.. والعلاقات بين المسلمين والأقباط والنظام العالمي الجديد "العولمة" باختصار لعب دورًا متميزًا في الجهد الفكري الإسلامي التجديدي.. مع جوقة من أبرز المفكرين الإسلاميين.. والذين يمثلون الآن أهم وأبرز العلامات الفكرية في الوقت الراهن للأمة.
وكان صاحب رؤية استراتيجية لأبرز قضايانا.. في الصراع مع الحِلف الصهيوني – الأمريكي.. وكان رغم الغيوم المتراكمة والمكثفة.. يرى أشعة الشمس القادمة.. وهو الذي قدم مبكرًا التحليلات التي تنتشر الآن في العديد من الدوريات المحلية والعالمية.. حول اختلال توازن القوى لصالح العرب والمسلمين.. وعلى حساب الصهاينة.. وهو أول من التفت للمزيج الجديد الذي غير المعادلة.. مزيج الحركة الجهادية الاستشهادية مع توازن الردع الصاروخي العربي – الإسلامي.. قدم رؤية إسلامية متجددة للعديد من قضايانا الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.
وكان بإمكانه أن يواصل الكتابة والحديث عن كثير من هذه المفاهيم.. التي يجمعها منهج أساسي: التجديد الإسلامي.. أي مواصلة تيار الأفغاني – محمد عبده.. في ربط النصوص بالوقائع الجديدة.
كان بإمكانه أن يواصل الكتابة والحديث عن كثير من هذه المفاهيم في الصالونات والمؤتمرات الثقافية.. والحلقات الفكرية والعلمية، وليس في ذلك عيب في حد ذاته.. فعادة ما يتخصص رجال في العلم.. ويتخصص رجال آخرون في السياسية.. ولكن المبالغة في التخصص علة رجال العلم والثقافة.. ورجال السياسية على السواء، فلا ينبغي أن يقع انفصال حاد بين عالم الفكر وعالم السياسية.. فهذا الانفصال إذًا أخذ شكلاً حادًا.. فإنه يهدد عالم الفكر بأن يكون صياغات مجردة ونماذج متصارعة على الورق، وفي غرف مغلقة غير متفاعلة مع الواقع.. كذلك فإنه يهدد عالم السياسية بأن يكون مجموعة من أصحاب التوجهات العملية بلا ضابط ولا رابط.. ومجموعة من المتصارعين على المناصب والنفوذ.. إن لم يكن مجموعة من الأفاقين والحواة.
والحقيقة فلا بد من تحصين عالمي الفكر والسياسية من تلك الأمراض التقليدية.. بإيجاد الجسور بين العالمين ولذلك طرق ووسائل شتى.. ولكن لا شك أن إحدى هذه الوسائل.. أن يكون بعض العاملين في السياسة من المفكرين.. وأن يكون بعض المفكرين من الساسة.. والمفكر الأصيل يقدم تضحية شخصية كبيرة.. عندما يخرج من عالمه المنمق لعسكري أن يقبض عليه لأنه لم يدفع الغرامة في قضية نشر.. ويمكن لمخبر أن يضايقه.. ويمكن لأفاق من أفاقي شئون السياسية أن يسبه ويشتمه لحساب جهات معينة.. لذلك ففي بلادنا نادرًا ما نجد مفكرًا أصيلاً.. قد ذهب بقدميه إلى العالم السياسي بمعنى ممارسة السياسة بشكل كامل متكامل.. لأن في ذلك تضحية كبرى.. هذه التضحية النادرة قدمها الأستاذ عادل حسين ودفع ثمنها من راحته وصحته ومتعته الشخصية التي كان يجدها في البحث العلمي.
والحقيقة أن الأستاذ عادل حسين لم يفعل إلا الواجب الإسلامي الحق في الجهاد في سبيل الله.. ولولا هذا اليقين ما تحمل كل الذي تحمله خلال أكثر من 15 عامًا في العمل السياسي الحزبي، بعد أن كان قد استراح منه تمامًا على مدار 22 عامًا (1966 – 1986) فالجهاد في الإسلام.. لا يعرف العمل الفكري بدون موقف.. والفقيه لا يمكن أن يكون فقيهًا ما لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، الإسلام لا يعرف هذا الفصل المجحف بين النظرية والتطبيق، بين الفقه والحياة السياسية اليومية.. حقًا يظل هناك علماء ومتخصصون لا غنى عنهم.. ولكن لا يليق بهم أن ينتسبوا إلى الإسلام، بدون أن تكون لهم مواقفهم الواضحة من الجرائم التي ترتكب على أرض الوطن وفي حق الوطن والعقيدة.. والحد الأدنى هو أن يشاركوا في المسلمات الكبرى.. ولا بد لمعظمهم أن يطبقوا فكرهم على الواقع.. فيحددون مواقفهم من التطورات التي تجري فيه.. مهما كانت العواقب.
في زمن الاستبداد عبر التاريخ الإسلامي حدث هذا الفالق فقعد العلماء في بيوتهم.. واعتزلوا السلطان.. واعتزلوا السياسية.. وتوسعت أبواب الفقه التي تتحدث في شئون الحكم والسياسة والاقتصاد.. ومع أي نهضة إسلامية تعود الأمور إلى نصابها.. وينعدل التركيب الهرمي لأولويات الفقه.. ولا شك أن من أسباب تخلفنا الراهن.. أن العلماء والمفكرين يظنون أن الساسة يجب أن يصلحوا الأحوال.. ثم يرون أنهم فاشلون في الإصلاح.. فيزداد نقدهم للساسة والسياسة.. والحقيقة أنه لا توجد سياسة محترمة بدون فقه "أو فكر"، وأن العلماء والمفكرين منوط بهم دور أساسي في الاضطلاع بهذا الإصلاح السياسي المنشود.. والمفقود حاليًا.. وقد كان عادل حسين من القلة الضئيلة والنادرة التي أدركت هذا الدور.. وكان ذلك من أهم أسباب محاربته بضراوة من قِبل أعداء الإصلاح الوطني.. كان شوكة في حلقهم.. وكان في نظرهم يمتلك أسلحة ثقيلة لا يمتلكونها.. أنه يمتلك الرؤية الفكرية.. التي ينقلها من الندوات المعلبة إلى أرض الواقع.. ويفسد عليهم لعبة السياسة.. التي يريدونها أن تكون مجرد لعبة سخيفة بين الحكم المؤبد والمعارضة المؤبدة.. أو بين المعارضة مع بعضها البعض..
أو حتى داخل الحزب الواحد.. حيث يتصارع أحيانًا بعض الناس على ما يتصورونه مغنمًا بينما هو لا يستحق حتى أن يسمى "حطام الدنيا".
أو حتى داخل الحزب الواحد.. حيث يتصارع أحيانًا بعض الناس على ما يتصورونه مغنمًا بينما هو لا يستحق حتى أن يسمى "حطام الدنيا".
وكان نشاط عادل حسين كأمين لحزب العمل بعد دوره في تأسيس الطابع الإسلامي لجريدة الشعب، وما أدى إليه ذلك من جذب نواة فكرية جادة تشكل الآن قيادة الحزب المركزية والإقليمية.. من أهم أسباب فاعلية حزب العمل في السنوات الأخيرة.. بالمقارنة مع باقي الأحزاب.. ومن أهم أسباب غضب السلطات على هذا الحزب الذي بدأ ينمو خارج اللعبة الديكورية.. ولذلك كان لا بد من ضربه ومحاصرته وإيقاف جريدته "الشعب".
ولكن ما تم تأسيسه خلال السنوات الماضية لا يمكن بإذن الله القضاء عليه لأنه ببساطة قائم على الفكر والفكر لا يموت.. وإذا رحل عادل حسين فقد ترك خلفه بعد مؤلفاته.. مجموعة ضخمة من المقالات المعمقة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية والسياسية.. وهي مع دائرة أوسع من الفكر الإسلامي التجديدي.. لغيره من المفكرين والفقهاء تشكل تيارًا فكريًا سياسيًا قائدًا في الحياة الثقافية والسياسية لأمتنا بصرف النظر عن أي أهواء أو تحيزات.
إن النزعة الاستبدادية في الحكم لا تحب تجديد دماء الحياة السياسية.. وتنزعج من التلاقي بين العالم والسياسي.. بين المفكر والسياسي.. ومن باب أولى تنزعج من تلاقي العالم والسياسي في شخص واحد.
لقد رحل عادل حسين عن عالمنا.. ونحتسبه وندعو الله أن يجعله مع الأنبياء والصديقين والشهداء.. ولكن المشروع الحضاري التحرري.. الوطني.. القومي.. الإسلامي.. الذي عاش من أجله.. وأفنى حياته فيه.. سيظل باقيًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق